والتي تشيرُ إلى أن الجزيرة العربيّة كانت موطنًا أصليًا لتلك الألسنة جميعها؛ وذلك من خلال تتبع خط سيركل شعاع خرج من الجزيرة العربيّة وتحديد مكان استقراره بعد ذلك، ولنحاول، من ثمّ، الوصول إلى نتيجةٍ تُوضِّحُ نوع العلاقة التي ربطت بين تلك الألسنة جميعًا.
يعتبر العرب فرعًا من فروع العرق الساميّ، وهم سكان شبه الجزيرة التي عُرفت باسمهم، ولا يُعلم بدايةُ الزمنِ الذي سكن فيه العربُ في ذلك المكان، والظاهر أنهم كانوا سكانها الأصليّين منذ عصور ما قبل التاريخ. ومما يجدر ذكره هنا هو أن مناهل اللغة العربيّة تعودُ في جذورها إلى الماضي السحيق لشبه الجزيرة العربيّة، وهي: (أكثر قِدَماّ من تسمية حمَلَةِ هذا اللقب ذاته، أي العرب، فقد أطْلَقَتْ قبائلُ الرُّحَّلِ ونصفُ الرُّحَّلِ والحضر، التي كانت تقطن قديمًا شبه الجزيرة العربيّة والبراري المتاخمة لفلسطين وسوريا وما بين الرافدين، على نفسها ألقاب سلالاتها وقبائلها أو اتحاداتها القبلية، وكانت الشعوب المجاورة فقط هي التي تطلق على هذه القبائل تسميةً عامةً"العرب") [1] .
والعربيّ هو وصفٌ لكل سكان الجزيرة؛ سواءً الحاضر منهم والبادي، وينقسمُ اللسانُ العربيّ إلى عددٍ كبيرٍ من اللهجات التي عاش بعضُها في الجنوب، وعاش البعض الآخر منها في الشمال، وبعضها باد واندثر، وبعضها لازال حيًا إلى اليوم. ومن لهجات العربيّة اللهجة الثموديّة، واللحيانيّة، والصفويّة، والجاهليّة، والعربيّة الجنوبيّة، واللهجة الفصحى [2] : والتي تُسمى أحيانًا بالقرشية، لغلبةِ خصائصِ لهجةِ قريشٍ عليها، كما إنها تُدعى أحيانًا بالحجازية، وذلك لأنَّ عامةَ القبائلِ الحجازيةِ لم تكنْ تختلفُ عن لهجة قريشٍ
(1) دراسات في تاريخ الثقافة العربيّة، خالدوف وآخرون، دار التقدم، ص 71.
(2) تعرضنا لها سابقًا، ونتعرض لها هنا باختصار للضرورة الموضوعية.