ففي سورة تقع في المرتبة (69) من حيث ترتيب النزول تتجسد الحياة كنباتٍ تتتابع مراحله المختلفة أمام أعين الناظرين، وهو تصوير قريب من أذهان وعقليات العرب آنذاك، لكن أضيف إلى الصورة أبعاد جديدة، وذلك عندما تم تصوير الحياة على أنها تلك الممتدة والمستمرة استمرار نزول المطر، مستفتحا الحديث عنها بفعل مسند إلى الذات الإلهية {أنزلناه} ومختتما باسم الله القدير {وكان الله على كل شيء مقتدرا} وهذا هو السياق الصحيح الذي يجب النظر إلى الحياة من خلاله!!.
إلا أن القرآن الكريم، وعلى الرغم من إقراره لذلك النوع من التعامل مع الطبيعة من حولنا (إن أتى في سياقه الموضوعي الدالّ على قوانين السببية) إلا أنه أوضح، في الوقت ذاته، أن ورود ذلك التعامل في غير سياقه الموضوعي الصحيح إنما يمثل طريقة تعامل المجتمعات البدائية غير المتحضرة مع المفردات في عالم الشهادة، وهي طريقة تتميز بإنكارها لعالم الغيب في كثير من الأحيان، وذلك حين قال: {وضرب لنا مثلًا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم} (يس:78) ..
مما سبق نخلص إلى القول بأن الإنسان العربي، قبل البعثة وبعدها، قد تنازعته نزعتان مختلفتان؛ كانت الأولى منهما تشده إلى أعماق ذاته، فتلونت بتأثيرها كل مفردات الوجود المحيط به، بينما حاولت الأخرى أن تجذب فكره إلى ما يحيط به من ظواهر وأشياء؛ يجمع بينها أنها تسير وفق قوانين وسنن موضوعية لا تتأخر ولا تتخلف.
تحدثنا فيما مضى عن النقلة النوعية التي أحدثها القرآن الكريم في حياة العرب، ولم تكن تلك النقلة مقصورة على ما أضافه القرآن الكريم من مغزى لحياتهم، ولم تقتصر كذلك على مجموعة العبادات ونظم المعاملات التي قدمها