فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 259

كذلك فقد سعى الإسلام، من خلال المنهجية القرآنية، إلى رفع المستوى التصوري والعقائدي للعرب؛ حيث بدأ القرآن الكريم بالدمج بين طبيعتهم البسيطة قريبة الغور وبين المقامات، الموضوعية، العالية التي يريد أن يرفعهم إليها! وذلك من خلال دمج تصوراتهم، ذات الطبيعة الجزئية، ضمن سياقات موضوعية تصورية جديدة، وهنا تبدأ الأحداث (التي كانت تتراءى لهم في شكلها الجزئي) تُعرض لهم ضمن سياقات جديدة أعطتها امتدادا واضحا! مثال ذلك الآية التي جاءت لتعرض الموت والحياة في سياق جديد أكثر امتدادًا:

{ولا يملكون موتًا ولا حياة ولا نشورا} (الفرقان:3)

فلم يعد الموت والحياة مجرد مظهرين من مظاهر الوجود البشري على الأرض؛ بل أصبح لذلك الوجود امتدادًا إضافيًا واسعًا؛ يتمثل في"البعث"و"النشور"وهي من التصورات العقائدية المستجدة على حياة العرب!.

من الجدير ذكره هنا أن سورة"الفرقان"التي أضافت هذا الامتداد التصوري الجديد هي سورة مكية وتحتل المرتبة (42) من حيث ترتيب النزول، ولعل ترتيبها في بداية الثلث الثاني من القرآن الكريم يفسر النقلة الرائعة التي أحدثها القرآن الكريم في حياة العرب! حيث نقلهم من التصورات الجزئية إلى تصورات جديدة أكثر تكاملا؛ وكان أشد ما ميز تلك التصورات تكونها من أجزاء عديدة لكن ضمن إطار موضوعي واحد يجمعها!! .. نجد تأييدا وتأكيدا لذلك فيما ذهب إليه القرآن الكريم من تصويره للحقائق الموضوعية المحيطة بالعرب بكيفيةٍ تمكنهم من فهمها؛ مع محاولة دائبة منه لرفعهم من الأدنى إلى الأسمى، ومن المادي إلى التجريدي ..

ولنتأمل قوله تعالى:

{واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيمًا تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا} (الكهف:45)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت