اللغوية، التي حافظ عليها لسانُ قريش، ترجعُ في كثيرٍ من أسبابِها إلى الظروف الجغرافية التي عاشت عليها قريش، فقد ترعرعت بوادٍ غيِر ذي زرعٍ، مكنّ لها المحافظةَ على أصالةِ اللغة، فلم تفقد لغةُ قريش ما تفقده اللغاتُ، عادةً، من طبائع لغاتها بالاختلاط مع الأقوام الأخرى ..
من هنا؛ وكما أن قريشًا قد مثّلت القلبَ النابضَ والعاملَ المشترك بين القبائل العربيّة جميعها؛ فقد مثلّ لسانُها الحدّ الأدنى الذي أمكن للقبائل العربيةِ أن تجتمع عليه، ومثلَّ في الوقت ذاته الحدّ الأعلى مما يمكن تسميته باللغة العربيّة لكن ببعدها"الإنساني"و"البشري"..
وهنا يتأكدُ لنا واضحًا ما ذهبنا إليه من أن تنزّل القرآن الكريم بلغة قريش؛ إنما يُقصد به، في حقيقة الأمر، القول: (على الأغلب) ولا يعني انطباق لغة قريش على اللغة العربيّة الفصحى انطباقًا كاملًا (أو العكس) يؤكد هذا الأمر ما ذكره ابن عبد البر في"التمهيد": (قول من قال: نزل القرآن بلغة قريش، معناه عندي:"في الأغلب"؛ لأن لغةَ غيرِ قريشٍ موجودةٌ في جميع القرآن، من تحقيقِ الهمز ونحوه، وقريشُ لا تهمز) ! [1] .
إذنْ فلسانُ قريش، كان اللسانَ الأقربَ للعربيّة الفصحى التي نعرفها اليوم، والتي يمثلها القرآنُ الكريمُ خيرَ تمثيل، لكنّ هذا التقارب الكبير بين لغة قريش واللغة العربيّة الفصحى (التي تنزّل بها القرآن الكريم فيما بعد) يجب ألا ينسيَنا حقيقةَ أن لغة قريش، وعلى الرغم من اقترابها الكبير من اللغة العربيّة بمفهومها المعروف لنا اليوم إلا أنهما لا تتطابقان مع بعضهما تطابقًا كاملًا! بل ينبغي التشديد هنا على حقيقة أن القرآن الكريم عندما تنزّل لم يأتِ بما كان موجودًا
(1) البرهان للزركشي، (هامش المدخل لعلم اللغة، للدكتور رمضان عبد الوهاب، ص 58) .