شواهد قرآنية
على الإحساس الزمني البيولوجي عند العرب
عندما تنزل القرآن الكريم على محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم) كان العرب قد اشتهروا بفصاحتهم؛ وفروسيتهم؛ ورقة مشاعرهم التي تجلت في أشعارهم التي لم تَجُدِ البشريةُ بأرقّ منها، وقد تنزل القرآن الكريم آيات وسور؛ كانت تراعي المستويات النفسية والموضوعية لدى من أتت لمخاطبتهم، وهو ما يتجلى في السمات الأساسية والملامح العامة التي ميزت كلا من القرآن المكي والمدني، حيث بدا وكأن كلًا منهما (المكي والمدني) يخاطب إنسانًا مختلفًا! فحيث كان القوم في مكة في جاهلية تعمى وتصم، يعبدون الأوثان، ويشركون بالله، وينكرون الوحي، ويكذبون بيوم الدين .. الخ؛ حيث كان القوم كذلك؛ نزل الوحي المكي: قوارعَ زاجرةً، وشهبًا منذرةً.
وعلى العكس من ذلك فقد وجدنا الآيات المدنية: طويلة المقاطع؛ أتت أقل إفعامًا بالانفعال [1] وقد جاءت السور المدنية لتفصل أصول التشريع، وتضع قواعد المجتمع والدولة .. الخ؛ وهذا هو الطابع العام للقرآن المدني.
ولعل الفوارق بين القرآن المكي و المدني تجسد الفوارق التي طرأت، فيما بعد، فميزت بين إنسان ما قبل البعثة وإنسان ما بعدها!! ففي حين كان الأول مفعمًا بالعواطف والانفعالات الجياشة؛ صار الثاني إنسانًا مفكرًا؛ فكان دائم التأمل في ذاته، كثير النظر في الكون من حوله، مما أَهَلَهُ لأن يصبح صانع حضارة من الطراز الأول! ..
وقبل أن تنجح الدعوة الإسلامية في إنتاج نموذجها الإنساني الفريد؛ كان القرآن الكريم يخاطب القوم، الذين نُزّل القرآن فيهم، مراعيًا خصوصياتهم؛ متمهلًا عليهم في ضعفهم، فخاطبهم على قدر عقولهم وقلوبهم؛ دون إهمالٍ
(1) يعتبر قِصَر العبارات مؤشرًا على حالة نفسية مفعمة بالانفعال.