ما نريد قوله هنا هو أن حركة التدوين تلك لم تكن إلا وجهًا من وجوه النقلة النوعية والموضوعية التي أحدثها القرآن في حياة العرب، حيث قادتهم تلك النقلة من مرحلة"استبطان الذات"إلى الانطلاق الواسع باتجاه المحيط، وكذا الانفتاح على الطبيعة؛ والذي قادهم بدوره إلى التفوق في العلوم المختلفة كالفلك والطبيعة والكيمياء والطب!! الخ ...
ومما أضافه القرآن الكريم للبنية الثقافية للعرب أن أعطاهم بعدًا جديدًا للزمن يتمثل في إدراك أعمق لما يمثله"الماضي"بالنسبة لهم وانعكاسه على حاضرهم ومستقبلهم، فلم تعد الأمور بالنسبة لهم مقصورةً على مجرد كون التاريخ مخزونًا للذاكرة المنقولة مشافهة (لغياب التدوين) إذ أصبح للماضي، بفضل القرآن الكريم، بعدا موغلا في عمق التاريخ؛ مرتكزًا، في الوقت ذاته، على قاعدة واسعة من القصص الذي يؤرخ للإنسانية ابتداء من آدم عليه السلام؛ مرورًا بأنبياء الله ورسله عبر المراحل الزمنية المختلفة.
ولم تتوقف المساهمة القرآنية في مجال التأريخ عند الجانب الكمي للقصص التاريخي، بل تعدته إلى الجانب المنهجي، إذ قدّم القرآن الكريم للإنسان العربي منهجًا جديدًا غير مسبوق في البحث الواعي والمنظم عن المعرفة التاريخية وتراكمها، وقد ارتكزت المنهجية المستجدة على رؤية حضارية جديدة:
{قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} (الأنعام:11)
وقد أصبحت لعملية البحث آلية منهجية يدعمها نشاط موجّه ومنظم، وبدلًا من النقل عبر مخزون الذاكرة؛ أصبح النشاط الخاص باكتساب المعرفة التاريخية؛ وحفظها؛ ونقلها من ثمّ؛ مهنةً في حدّ ذاتها. وفي هذا المجال يحسب للقرآن الكريم منهجه المتكامل؛ والذي تم بفضله الإلمام بعلم التأريخ كجزء من عملية متكاملة؛ الهدف الأسمى لها إقامة بنيان الدين وعمران الحياة.