لو اقتصر دورُ القرآن الكريم على توحيد اللهجات العربيّة في إطارٍ لغوي جامعٍ فما أشبه ذلك بأفعالِ البشر! .. ولقد ذكرنا، فيما مضى، أن القرآن الكريم، وفي سبيل استكمال العربيّة لمعناها المطلق .. قد قام، بداية، بما يمكن أن نطلق عليه (عملية تجميع محلية) لأشتات اللهجات العربيّة، وذلك بهدف إرجاعها إلى أصلها الذي كانت عليه قبل أن تتفرق إلى لهجات. ومع تنزل آيات القرآن الكريم أمكن ملاحظة ظاهرةٍ مثيرةٍ أطال العلماء التوقف عندها، وقد أكدّت تلك الظاهرة حقيقة أن القرآن الكريم لم يقتصرْ دوره على عملية الجمع المحلية لأشتات اللغة العربية. وقد تمثلت تلك الظاهرة في مجموعة من الألفاظ الغامضة التي حفل بها القرآن الكريم، والتي لم يعتدِ العربُ على استخدامها! وقد شكلت تلك الألفاظ ظاهرةً فريدةً تباينت تجاهها الآراء؛ واستعصت على كل تفسير مقنع! وقد عدّ العلماء من تلك الألفاظ من غير لغات العرب أكثر من مائة لفظة، اعتقدوا أنها ترجعُ في أصولها إلى لغات الفرس والروم والنبط والحبش والبربر والسُريان والعبران والقبط!.
ومن أمثلة تلك الألفاظ:"برهان"وهي لفظةٌ حبشية [1] "كاهن"وهي لفظةٌ عبرية [2] ،"قلم"وهي لفظةٌ يونانية، و"زيت"وهي لفظةٌ آرامية [3] .
(1) اللغة الحبشية هي واحدة من لغات الفرع الجنوبي للغة الساميّة، والذي يضم العربيّة الشمالية، و العربيّة الجنوبية، وقد نشأت اللغات الساميّة في الحبشة نتيجة لهجرة عربيّة جنوبية من جزيرة العرب إلى شرق أفريقيا. (مدخل إلى علم اللغة، مرجع سابق، ص 92 - 93)
(2) اللغة العبرية هي إحدى اللهجات الكنعانية، تعلمتها مجموعة من الآسيويين عندما هاجروا إلى أرض فلسطين، فاكتسبوا لهجة كنعانية سائدة في فلسطين، وذلك في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وقد ظلت العبرية لغة الحياة اليومية في هذه المنطقة حوالي ستة قرون، إلى أن حلت محلها لهجات آرامية في نفس المنطقة، وقد ارتبطت اللغة العبرية بالدين اليهودي بعد أن انتهت من الاستخدام في الحياة اليومية. (نفس المرجع السابق، ص 88) .
(3) اللغة الآرامية هي واحدة من اللغات التي يجمعها الأصل الساميّ، وهي معروفة على مدى القرون الثلاثين الماضية، وليس هناك لغة آرامية موحدة، بل تنوعت في كلّ فترة زمنية تنوعًا بعيدًا، وكان منها: آرامية الدولة، السريانية، ولهجات آرامية أخرى حديثة. (نفس المرجع السابق، ص 90)