عند قريش وحدها؛ بل جاء، أيضا، ممثلًا للعديد من لهجات العرب وألسنتها، وقد مُثِلت تلك اللهجات في القرآن الكريم بالعديد من مفرداتها وألفاظها؛ لكن بتفاوتٍ كبيرٍ بين هذه اللغة وتلك، وقد كانت لهجةُ قريش الأوفر حظًا من بين لهجات العرب جميعًا، وما لم يكن موجودًا في لغة قريش كان موجودًا عند غيرها من العرب، وهكذا كان.
عندما نطلقُ هذه التسمية (أي: لغة الفصحى) على اللغة العربيّة فإن ما نقصده هو ذلك اللسان الذي نزل به القرآن الكريم، والذي جاء به الحديث الشريف، والشعر الجاهلي كذلك، وهو اللسان، عينه، الذي لا نزال، حتى اليوم، نتخذُ منه لسانَ أدبٍ وعلمٍ ودين ..
وقد تُدعى اللغةُ الفصحى في كثيرٍ من الأحيان، بـ"القرشية"لغلبة خصائص قريش عليها. كما تُسمى أحيانًا أخرى بـ"الحجازية"وذلك لأن عامةَ القبائل الحجازية لم تكن تختلفُ لهجاتُها عن لهجةِ قريشٍ في شيءٍ يُذكر ..
لكن هل العربيّة الفصحى التي تجمعنا اليوم هي لغة قبيلةٍ معينةٍ من قبائل العرب؟ .. والجواب هو بالنفي، فعربيّتنا الفصحى اليوم ليست لهجةَ قبيلةٍ بعينها، بل هي مزيجٌ لطيفٌ من اختيارٍ أنيقٍ لخصائص لهجاتٍ عربيّةٍ كثيرةٍ، أهمها؛ القرشية (الحجازية) والتميمية، وقد كان مما تميّزت به لغةُ قريشٍ وأهل الحجاز أنهم كانوا لا ينبرون (أي: لا يهمزون) في كلامهم، وذلك عكس ما كانت عليه القبائلُ النجدية؛ كقبيلة"تميم".
ويلاحظُ، كذلك، أن تميمًا كانت تميلُ إلى تفخيمِ الأصواتِ وتضخيمِها،
(1) عندما نطلق مصطلح"لغة"هنا فإننا نقصد المعنى الذي كان سائدًا قديمًا، ويمكن أن نطلق عليه (اللسان) كذلك، وهو مصطلحٌ يقابلُ في معناه مصطلح"اللهجة"المتداول في أيامنا، ولا نقصد به اللغة بمعناها المعاصر.