عجبًا أن يكون للقرآن الكريم هدفًا آخر ألا وهو توحيد اللغة الإنسانية [1] ً! تلك المهمة التي ابتدأها بتوحيد اللهجات العربيّة ذاتها، وذلك بتوسيع القاسم المشترك فيما بينها، وليتجاوز لغةَ قريشٍ إلى لغةٍ أعمّ وأشمل تجمع بين لغات العرب، وليجعلَ ذلك المفهوم مُنطلقَه نحو توحيد البشرية كلها تحت لواء العروبة القرآنية، والتي جاءت لتعلن (إنما العربيّة اللسان) فقد حطم هذا المفهوم ما كان سائدًا من معانٍ جزئيةٍ للعروبة، فحوّلها عن معناها القبلي البشري إلى معناها الديني الرباني، والذي يتيحُ الفرصةَ لكلِّ من يتعلمُ لسانَ القرآن الكريم أن يكون عربيًّا خالصًا!.
والآن ...
فلعلنا نكون قد أوضحنا أن اللغة التي جاء بها القرآن الكريم لم تكن متطابقةً مع لغةٍ من اللغات العربية التي كانت سائدةً آنذاك تمام الانطباق، لكنها كانت تتشابه معها، مجرد تشابه، وانفردت عربيّة القرآن عن عربيّة العرب في كونها لغةً واحدةً موحدةً غير مجزأة، بعكس الواقع اللغوي الذي كان سائدًا آنذاك.
لكن هل اقتصر دور القرآن الكريم على فعله المحلي؛ والذي تمثل في توحيد أشتات وفروع اللغة العربيّة، والتي كانت أجزاؤها متناثرة بين القبائل العربيّة المختلفة؟ ..
ولو كان القرآن الكريم قد اقتصر دوره على ذلك الجمع لأشتات العربية؛ فهل يصلحُ ذلك كشاهدٍ على حقيقة اختلاف العربيّة القرآنية عن العربيّة البشرية؟ ..
لتبيان حقيقة الدور (العالمي) الذي قام به والأثر الذي أحدثه القرآن الكريم في مجال استكمال حقيقة اللغة العربيّة؛ فعلينا أن ننتقل إلى زاويةٍ جديدةٍ، نحاول من خلالها إلقاءَ شعاع إضافي من الضوء على هذا الموضوع؟! لكنه شعاع آت من خارج الدائرة العربية هذه المرة، فماذا تراه يكون؟!! ..
(1) كما سنرى في الصفحات القادمة.