1 -عندما تنزّل القرآنُ الكريم بالعربيّة فقد كان هناك بونًا شاسعًا بين العربيّة التي جاء بها وبين العربيّة (البشرية) التي كانت سائدة آنذاك، فلم تكن لغةُ القرآن الكريم واحدة من تلك اللغات بعينها، كما أنها لم تكن مجرد"مجموعٍ جبريٍ جامدٍ"لتلك اللهجات في كيانٍ لغويٍ جامعٍ جديد!!.
2 -عندما نتحدث عن عروبة القرآن وعربيّته، فنحن لا نقصد مجرد الجمع الجبري للهجات العربيّة التي كانت موجودةً في ذلك الوقت، إذ إن فِعْلَ القرآن الكريم وتأثيره لم يقتصر على مجرد إعادة توحيدِ اللغات (اللهجات) العربية في لغةٍ واحدةٍ؛ بل تعداه إلى استكمال جوانب النقص في تلك اللغة (كما سنرى لاحقا) .
3 -مما يؤكد أن الوضع اللغوي العربيّ قبل تنزّل القرآن لم يكن هو الأصل في اللغة، وأن عربيّةَ القرآن وحدها كانت هي الأصل الذي يتوجب التمسك به دائمًا وأبدًا؛ أنه وبمجرد استقرار اللغة العربيّة، بمفهومها القرآني، انتفت الحاجةُ إلى الرخصة التي تسمح بتداولِ لغةٍ جزئيةٍ أقلَّ جودة! وقد تمثلت تلك النقلة فيما قام به عثمان بن عفان رضي الله عنه عندما أمر بكتابة المصحف الشريف على حرفٍ واحدٍ فقط [1] ، وتركت القراءة بالأحرف الستّة الأخرى، مما يستبينُ معه أن القراءة بالأحرف السبعة [2] ليست واجبة، ولو أوجب رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) على الأمة القراءة بها جميعًا لوجب نقلُ كلّ حرفٍ منها نقلًا متواترًا تقوم به الحجّة.
4 -بالإضافة إلى مهمته الأساسية المتمثلة في توحيد الدين الإنساني؛ فلم يكن
(1) مما يروى أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قد جمعَ الناسَ على مصحفٍ واحدٍ وقراءةٍ واحدة، وقد قامَ بإرسال نسخٍ منها إلى كلّ أفق من آفاق دولة الإسلام، واحتبس بالمدينة نسخةً واحدةً هي مصحفه المسمى"الإمام"، ثم أمرَ أن يحرقَ ما عدا تلك النسخ من صحيفةٍ أو مصحف. وقد أجمع الصحابة رضوان الله عليهم على تأييد صنيعه، وتَلَقّتْ الأمةُ ذلك بالطاعة.
(2) يجب التأكيد هنا على أن القراءات السبع (بل العشر) كلها متواترةٌ تقوم بها الحجة، أما الشاذة فهي أربع قراءات غير متواترة ولا تقوم بها حجة، مع التأكيد مرة أخرى على حقيقة أن القراءات السبع لا تعني الأحرف السبعة التي نحن بصددها هنا، وأنّ اللفظ"سبعة"هنا إنما هو من قبيل التشابه فقط.