فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 259

النظرة المادية للحياة؛ وقد أوردها كما هي: {أإذا متنا وكنا ترابًا وعظامًا أإنا لمبعوثون} (الصافات:16) (مكية) وأورد كذلك ادعاءهم: {ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} (الجاثية:24)

إلا أن القرآن الكريم سعى في الوقت ذاته لتقديم"الحياة الدنيا"بصورة وارفة ظليلة، وذلك بعرضها من خلال منظورها الديني؛ حيث لم يقدمها للعرب بوجهها المادي السافر الذي ما عرفوا غيره، كما لم يقدمها في صورتها التجريدية البحتة التي ترتفع عن مستوياتهم العقلية وتصوراتهم الآنية، بل لجأ إلى تصويرها على الصورة التي خبروها؛ لكن في سياق موضوعي غير ذلك الذي عرفوه واعتادوا عليه!! فلم تعد"الحياة"و"الموت"مجرد تكرار يبدأ لينتهي، كما صوروهما حين قالوا: {نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} بل أصبح للحياة والموت سياق آخر مختلف؛ إذ أصبح لهذا التتابع، من الحياة والموت، نتيجة تراكمية يمكن ملامستها والبناء عليها! ..

وفي هذا السياق فإن ملاحظة هامة تستوقفنا، وهي أن القرآن الكريم قد استخدم نفس اللفظ الذي استخدموه (الدهر) بفارق أن السياق القرآني قد أتى ضمن إطار موضوعي مغاير، فحمل المعنى إلى اتجاه آخر مختلف غير ذلك الذي كان يقصده العرب!!

وبالعودة إلى قواميس اللغة فسنجد أن كلمة"دهر"تحتمل:"الأمد المحدود"كما تحتمل كذلك:"الزمان الطويل"! وحسب رأينا فإن السياق وحده هو من سيحدد أي المعنيين هو المراد، وفي الحالة الأولى {نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} فقد قرنوا"الدهر"بحياتهم هم، لذا فإن معناه هنا يتجه ناحية"الأمد المحدود"، أما في الحالة الأخرى فقد أوردها القرآن الكريم مقترنة بحياة الإنسان من حيث هو إنسان (ليس شخصا بعينه) {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورا} (الإنسان:1) ..

من هنا فإننا نميل إلى أن الحالة الثانية هي ذات طبيعة موضوعية تراكمية! ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت