سبيل الإبهام، وليس فيه دليلٌ على عَدَمٍ سابق، ولا على انقطاع طارئ.
كذلك من ملامح ظاهرة النسبية، استخدام الحرف"ثم"،ذو الدلالة الزمنية المعروفة [1] ؛ واستعماله بشكل غير مألوف، ففي الوقت الذي يردُ فيه هذا الحرف في بعض المواضع لتكونَ له دلالةٌ زمنيةٌ واضحةٌ كما في قوله تعالى:
{وإذ واعدنا موسى أربعين ليلةً ثم اتخذتم العجلَ من بعده وأنتم ظالمون} (البقرة:51 - 52)
وجدناه في مواضع أخرى يفتقرُ إلى تلك الدلالة، وليتجاوزَ مهمة"التعبير عن الزمن"إلى مهمةٍ جديدةٍ هي:"التعبير عن الربط الموضوعي"بين كيانين موضوعيين، ولتصبح الدلالة الزمنية (وفق الاستخدام الجديد) ذات قيمة هامشية غير ذات أهمية!.
مثالُ ذلك: التعبير غير المألوف في قوله تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتًا ومن الشجر ومما يعرشون (ثم) كُلي من كلّ الثمرات} (النحل:68)
فحرف (ثم) هنا إنما يقوم بمهمة الربط الموضوعي بين مقامين موضوعيين هما مقام (اتخاذ البيوت) و مقام (الأكل) ولو دققنا النظر فسنجدُ أنْ ليست هناك علاقة تراتُبٍ زمنيٍ بين عملية (اتخاذ البيوت) وبين عملية (الأكل) ، إذ لا يُعقلْ أن يظَلَّ النحلُ بدون أكل إلى أن ينتهي من عملية اتخاذ البيوت! وهي العملية التي يُعتقد أنها استنفدت آلاف السنين لتستقرَ على حالها النهائي؛ بعد تنقلها من الجبال، إلى الشجر، وإلى ما يعرشون!! ..
إن النظر إلى حرف (ثم) من خلال المنظور الجديد (الذي لا يشترط الدلالة الزمنية فيه) من شأنه أن يلقي مزيدًا من الضوء على بعض المواضع في القرآن الكريم غير كاملة الوضوح بالنسبة لنا كبشر، في الإطار الزمني الذي نعيش فيه
(1) يستخدم حرف"ثم"عادةً للتعبير عن تعاقُب حدثين من الناحية الزمنية، كأن نقول: دخل التلاميذُ الفصلَ ثم تبعهم المدرس، وتفيد التعاقب مع التراخي.