فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 259

{فاستوى على سوقِه يعجبُ الزُرَاعَ ليغيظَ بهم الكُفَار} (الفتح:29)

وكذلك في قوله تعالى: {كمثلِ غيثٍ أعجبَ الكُفارَ نباتُه} (الحديد:20)

فالكفار المقصودون هنا هم الزُراع، والقرينة هنا واضحة حيث السياق كله يتحدث عن النبات والزراعة والمطر .. لكن لماذا سُمي المزارع كافرا في هذا الموضع؟! ..

لقد سمي كذلك لأنه هو منْ يكفرُ البذرةَ (أي يغطيها) بالتراب! ..

لكنّ اللفظ ذاته ورد في موضعٍ ثالثٍ ليشيرَ إلى معنىً نظنه مُختلفًا عن سابقيه! وذلك في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قومًا غضب الله عليهم، قد يئسوا من الآخرة كما يئسَ الكُفارُ من أصحاب القبور} (الممتحنة:13) ..

فمن هم الكفار المقصودون في هذه الآية [1] ؟! .. هل هم الكفار بالمعنى الأول للفظ .. أي من يغطي نِعَمَ الله ويخفيها ولا يعترف بها؟! ولماذا اختُص الكافر باليأس من الموتى مع أن المؤمنَ أيضًا يمكنه أن ييأس من أصحاب القبور كالكافر تمامًا؛ ذلك أننا أمام حقيقة إنسانية عامة لا يمكن نكرانها هي الموت! ..

أم أن اللفظ يشير إلى الكفر بمعناه الثاني والذي يعني تغطية: البذرة بالتراب انتظارًا لإنباتها؟! .. أم أن هناك معنىً ثالثًا يمكن أن نضيفه إلى سابقيه؟!! ..

من الواضح أن نظرةً متسرعةً نلقيها على الآية الكريمة المشارُ إليها سوف تدفعنا باتجاه المعنى الأول لكلمة"كافر"وهو المعنى الأكثر شيوعًا؛ والأكثر تعارفًا عليه بين الناس .. لكن هل يمكن أن يوجد لهذا اللفظ معنىً ثالثًا يكون مُشتقًا من الأصل اللغوي، ولا يكون مجرد إسقاطٍ لمعنىً على آخر؟! ..

لنبحث عن القرينة التي تحدثنا عنها سابقًا، والتي يمكنها أن تفيدنا في تحديد أي وجوه معاني اللفظ المذكور هي المقصودة، ولنسأل أنفسنا سؤالًا: من هم

(1) قال الحسن البصري في تفسيرها: الكفار الأحياء قد يئسوا من الأموات، وقال قتادة: كما يئس الكفار أن يرجع إليهم أصحابُ القبور الذين ماتوا، وكذا قال الضحاك. (تفسير القرآن العظيم، ج 4، مرجع سابق، ص 457) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت