فجئتُ المسجدَ أريدُ أن أطوف بالكعبة، فإذا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قائمٌ يصلي، وكان إذا صلّى استقبلَ الشام، وجعل الكعبة بينه وبين الشام، واتخذ مكانه بين الركنين: الركن الأسود والركن اليماني. فقلت حين رأيته: والله لو أني استمعتُ لمحمدٍ الليلةَ حتى أسمعَ ما يقول. وقام بنفسي أنني لو دنوتُ منه أسمع؛ لأروّعنه (أي لأخيفنه) فجئتُ من قِبَل الحِجْر؛ فدخلتُ تحت ثيابِها، وما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة، فلما سمعتُ القرآنَ رقّ له قلبي فبكيت ودخلني الإسلام!.
والرواية الأخرى تشير إلى أن عمر، رضي الله عنه، خرجَ مُتوشحًا سيفه؛ يريدُ رسولَ الله (صلى الله عليه وسلم) ورهطًا من أصحابه قد اجتمعوا في بيتٍ عند الصفا، وهم قريبٌ من أربعين بين رجالٍ ونساء، وفي الطريق لقيه نعيم بن عبد الله فسأله عن وجهته؛ فأخبره بغرضه، فحذّره (أي نعيم) بني عبد مناف، ودعاه أن يرجع إلى بعض أهله؛ خِتنه [1] سعيد بن زيد بن عمرو، وأخته فاطمة بنت الخطاب زوج سعيد، فقد صبئا عن دينهما. فذهب إليهما عمر، وهناك سمع"خَبّابًا"يتلو عليهما القرآن، فاقتحم الباب، وبطشَ بِخِتْنِهِ سعيد، وشجّ أخته فاطمة .. ثم أخذ الصحيفة (بعد حوار) وفيها سورة"طه"، فلما قرأ صدرًا منها قال: (ما أحسن هذا الكلام وأكرمه) ثم ذهب إلى النبيّ (صلى الله عليه وسلم) فأعلن إسلامه، فكبّر النبيّ (صلى الله عليه وسلم) تكبيرةً عرف أهلُ البيتِ من أصحابِه أن عمرًا قد أسلم [2] .
كذلك فقد واجهت المعاندين والمستكبرين من قريش مواقفُ مشابهة، وذلك من خلال ما أحدثه القرآنُ الكريمُ من تأثيرٍ مزلزلٍ في نفوسهم، فقد حدثَ مثلُ ذلك مع الوليد بن المغيرة؛ والذي أذهلته الآياتُ بِسِحْرِها وأَلَقِها [3] فانصرفَ
(1) ختنه: بكسر الخاء وتسكين التاء، أي: زوج أخته.
(2) عن سيرة ابن هشام، نقلا عن التصوير الفني في القرآن، ص 10.
(3) تألقها.