مقهورًا مُنساقًا تحت وطأة تأثيرها، حتى وجدناه لا يقوى على إنكار ما أصابه! ووجدناه يصفُ القرآنَ الكريمَ والحيرةُ تأخذُ بلبّه وجنانه، فأصبح لا يمتلك لنفسه حولًا ولا قوة، وسمعناه يُقرُ مُعترفًا:
(فوا لله ما منكم رجلٍ أعلمَ مني بالشعر ولا بِرَجَزِهِ ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن .. والله ما يشبهُ الذي يقولُه شيئًا من هذا، والله إنّ لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو وما يُعلى عليه) !!.
لكنّ اعترافه هذا لم يكن ليقنعَ قريشًا، فهو، أي الوليد، لم يذمّ القرآن، بل امتدحه!! .. فلما زادوا عليه من ضغوطهم؛ لم يجدْ مخرجًا إلا أن يلويَ أعناقَ الألفاظ، وأن يتلاعب بالكلمات، فبدلًا من أن يعترف بأن هذا السحر إنما يدل، بالضرورة، على عدم بشرية مصدره، وجدناه يتجاوب مع دعوة أبي جهلٍ له؛ والتي حرضه فيها بالقول: (والله لا يرضى قومُك حتى تقول فيه) [1] ..
وهنا تتجلّى قدرةُ بعض البشر على التحايل! واتباع الأساليبِ الملتويةِ لوصفِ حقيقةٍ ما بغيرِ ما يجبُ أن توصفَ به! .. فجاءَ ردّ الوليد هذه المرة: (دعني أفكر فيه) . فلما أنْ فكّر قال: (إنْ هذا إلا سحرٌ يؤثر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله ومواليه) ؟!.
وبهذا الرد يكون الوليد قد أفشى لنا، عن غير قصدٍ بالطبع، سرًا من الأسرار التي استأثر بها القرآنُ الكريم دون غيره من كلام العرب، ذلك هو الاستحواذُ الغريب؛ والسطوةُ التي لا تردّ؛ لكلمات الله على كلّ من سمعها، بل لعل الوليد في استخدامه لتلك الألفاظ قد أسدى لنا خدمةً أخرى كبيرة، فهو باستخدامه لألفاظٍ من قبيل"سِحْرْ"قد أشار إلى ذلك المصدر الغامض؛ والمجهول لسحر القرآن الكريم، والذي لا يمكن إلا أن يكون وجهًا من الوجوه التي استأثر بها القرآن الكريم؛ فتميزت به لغته عن لغة البشر!.
(1) أي في القرآن.