فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 259

وسلم) وما تميز به من مكانةٍ رفيعةٍ، سواءً من حيث نَسَبِه أو أخلاقه، والتي لم يعرفوا لها مثيلًا، فقد كان بالنسبة لهم آخر من يصلح لتلك المهمة!

{وقالوا لولا نُزّل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين عظيم} (الزخرف:31) ...

ولم يكن مهمًا، بالنسبة لبعضهم، ما كان يتمتعُ به محمدٌ (صلى الله عليه وسلم) من رفيعِ خصالٍ وصِدْقِ حديث، إذ أضمروا له التكذيب حتى وإن كان صادقًا! (ومرّوا ينتظرون وهم مُعِدّون له التكذيب، مُتربصون به حالةً من تلك الأحوال؛ فإذا هو قَبِيلٌ [1] غيرُ قبيلِ الكلام، وطبعٌ غيرُ طبعِ الأجسام، وديباجةٌ كالسماء في استوائها لا وهيٌ ولا صدعٌ، وإذا عصمةٌ قويةٌ، وجمرةٌ متوقدةٌ، وأمرٌ فوق الأمر، وكلامٌ يحارون فيه بدءًا وعاقبة) [2] .

وباختصار؛ فإن الشكّ في تلك اللحظات كان شريعةَ الجميع، إلا من رحم ربُك، والشكُ، في حدّ ذاته، حقٌ مشروعٌ يمكن من خلاله التمييز بين الأصيل وبين ما كان ادعاءً، لذا؛ فلم يكن مستغربًا أن يجمعَ الشكُ تجاه محمد (صلى الله عليه وسلم) ودعوته بين عمر بن الخطاب والوليد بن المغيرة!! إضافة إلى ما أصابهما من صدعٍ وذهول نتيجة التأثير المحكم لآيات القرآن الكريم!.

وتنقلُ لنا كتبُ التاريخ روايتين متشابهتين تؤرخان لإسلام عمر بن الخطاب، رضي الله عنه وأرضاه، الأولى منهما لعطاء ومجاهد، نقلها ابن إسحق وقد جاء فيها على لسانه: (كنتُ للإسلام مُباعدًا، وكنتُ صاحبَ خمرٍ في الجاهلية أحبها وأشربها، وكان لنا مجلسٌ يجتمعُ فيه رجال قريش .. فخرجتُ أريدُ جلسائي أولئك فلم أجد منهم أحدًا. فقلت: لو أنني جئت فلانًا الخمّار. فخرجتُ فجئته، فلم أجِدْه. قلت: لو أنني جئتُ الكعبةَ فطفتُ بها سبعًا أو سبعين،

(1) قبيل غير قبيل الكلام: أي ليس مثل الكلام البشري، ولا يشابهه.

(2) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، مرجع سابق، ط 3، ص 221.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت