فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 259

إن خللا كالذي نعاينه هنا (الرؤية التجزيئية للنص) إنما ينشأ عن عدد من الأسباب، والتي منها: تعجل اشتقاق الصورة التمثيلية من قبل البعض، حيث جعلوا من {استوقد نارا} امتدادا لـ {أولئك الذين كفروا} ولم يتم الالتفات إلى التناقض الناشئ عن اختلاف الضمائر (بل تم تبريره!!) بين ضمير المفرد في {فلما أضاءت ما"حوله"} [1] وضمير الجماعة في {ذهب الله"بنورهم"} مع أن التناقض بينهما بينٌ واضح؟!!

إن محاولتنا للتعامل مع هذه الصورة يأتي مدفوعا بالرغبة في رؤية النص من زواياه المختلفة وليس الاقتصار على زاوية واحدة منه، وهي المحاولة التي ستمكننا في نهاية المطاف من رؤية الأجزاء الدقيقة من الصورة والمختفية بلطفٍ وإحكام .. ولعل تلك المحاولة تشكل أمامنا أملا وحيدا يمكننا من خلاله نفي التناقض الواضح بين الضمائر والذي أشرنا إليه قبل قليل!. والنظرة الجديدة تقتضي النظر إلى الذي ?استوقد نارا? على أساس أنه لا يقابل ?الذين اشتروا الضلالة بالهدى? وإنما يقابل"داعي الإيمان"المذكور في ثنايا الآيات، والذي لا يفتأ ينصح الكافرين: ?آمنوا كما آمن الناس? وهو بهذا إنما يمثل النبي، أو الرسول، أو المؤمن بشكل عام!! .. ويعزز من توجهنا هذا في فهم الآيات ما عُرف عن الكافر بأنه لم يُعهد عليه بذل الجهد للوصول إلى النور! وهو المعنى عينه الذي تشي به كلمة ?استوقد? [2] والتي تفصح عن بذل جهد لا يُستهان به لإيقاد النار للوصول إلى النور، وهو جهد لا يمكن أن ينسب للكافرين

(1) لاحظ/ أن القرآن استخدم {فلما أضاءت ما حوله} وهي إشارة إلى أن العين ترى الأشياء بالضوء الساقط عليها وليس بضوء يخرج من العين ويسقط على الأشياء كما كان يعتقد! ..

(2) مما شاع من أساليب اللغة العربية في التعبير عن مقاصدها المختلفة أن إلحاق حرفي الألف والسين في أول الكلمة يمكن أن يشير إلى"الجد في طلب الشيئ"، مثل (إستطعم، إستسقى، إستمطر، إستزل، إستعمر ... الخ) وعلى هذا فإن كلمة"استوقد"يمكن أن تفيد:"طلب الوقود وبذل الجهد في تحصيله". والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت