وهؤلاء بالعودة إلى طريق الرشاد ..
ولننظر إلى تلك القوى الخيرة وهي تكاد تتوارى في زاويا الصورة المخصصة للحديث عن المنافقين وتتراءى لنا في خلفيتها!! فجاء الحديث معبرا عنها (القوى الخيرة) بصيغة الفعل المبني للمجهول (وإذا قيل) وكأنها إشارة إلى أن الخير إنما هو قيمة بحد ذاته بغض النظر عن الجهة التي تحمله أو تقوله به!! .. {وإذا قيل لهم (أي للمنافقين) آمنوا كما آمن الناس ... } {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ... } فمن الذي قال لهم وطلب منهم؟ إنه النبي ذاته صلى الله عليه وسلم، وإنهم أتباعه المؤمنون الملتفون من حوله .. بكل تأكيد!.
وتظهر صورة الأخيار في الصورة الكلية من خلال نصحهم المتكرر للأشرار من كفار ومنافقين: ?وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء? وكأنما يحاول النص الكريم إظهار حركة التدافع المتماوجة في حركة مجتمعية دائمة بين شرٍ طاغِ يقابله نصحٌ دائم ... وقد وجدنا الصورة تعود لتتركز على المنافقين مرة أخرى?وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون؛ الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون? والتركيز هنا نابع من كون تلك الفئة إنما هي العنصر الأخطر تأثيرا والأشد فتكا بالمجتمعات!! ...
وعند هذه النقطة يجب الحذر؛ إذ توشك الموجة أن تنقلب على أعقابها فتأخذ اتجاها آخر!! والإشكالية تكمن في الدقة والرقة والسلاسة التي يتم من خلالها ذلك الانقلاب إلى الدرجة التي نصبح معها بحاجة إلى مزيد من الدقة في الأحاسيس لأجل رصد ذلك الانقلاب والشعور به دون أن تعبث به أفهامنا!!
فبعد أن وصلنا إلى توصيف كامل للصورة المجتمعية سالفة الذكر وجدنا القرآن الكريم يعقب على أحوال الفئة الأخيرة، فجاء تعقيبه على حال المنافقين بقوله تعالى {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} ..
ولننظر إلى اسم الإشارة"أولئك"المعبر عن ضمير الجمع الغائب. وهنا يجب الحذر والانتباه جيدا! .. حيث أعقب هذه الآية قولُهُ تعالى {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ... } وهي، أيضا، حديث عن الجمع الغائب!! مما قد يلقي في روع القارئ بأنها تشترك مع الآية التي سبقتها في الجهة التي يتم الحديث عنها (أي المنافقون) بينما الحقيقة مختلفة تماما!.
إن المحك الحقيقي لإدراك البعد غير الظاهر في القرآن الكريم ["العمق"و"التكامل") إنما يكمن في امتلاك رهافة الحسّ بقدر كافٍ للتعامل مع نص بمواصفات غير عادية وغير بشرية، مما سيمكن القارئ من إدراك لحظات الانقلاب السلسة، ومواضع التغير غير المحسوبة، ولو امتلكنا تلك القدرة عندها سندرك أن السياق في الآيات آنفة الذكر قد اتخذ وجهة أخرى غير تلك التي اتخذها السياق العام للآيات السابقة، وذلك بعد قوله تعالى {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} .. حيث يجب علينا هنا إقفال القوسين اللذين يضمان داخلهما طبقات المجتمع المتصارعة فيما بينها، وبإقفال هذين القوسين فيكون علينا أن نفتح قوسين جديدين يضمان صورة تمثيلية جديدة، وبهذا يمكن الإدراك بأن كلمة"مثلهم"في قوله تعالى {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ... } لا تعود على الآية التي قبلها (أي على المنافقين) بل تعود على كل أجزاء الصورة ما بين القوسين؟!! وبهذا فإن الذي استوقد النار لن يكون، على الإطلاق، كافرا أو منافقا كما ظن البعض!! .. حيث يجب النظر إلى الآيات التالية على أساس أنها ضمن قوسين جديدين وبما يتماشى مع المفهوم الجديد!!.