فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 259

فالأدلة التي سقناها، والدليل الأخير تحديدا، والمستقى من سورة الجاثية، توضح كلها وبشكل كامل أن الختم إنما هو للسمع وللقلب معا، بينما الغشاوة للبصر وحده [1] وهذا يتوافق مع الحقيقة العلمية الصرفة التي سنبينها!! ... ويتوافق مع ما يسمح لنا برسم الصورة اللطيفة والمتكاملة التي نحن بصددها!! ..

ومن البديهي أن المعنى السابق، بما يتضمنه من ضرورة التفريق بين"الختم"و"الغشاوة"، لا يتأتيان بدون فهم دقيق لمعاني الألفاظ، فالقرآن الكريم قد فرّق بين نوعين مختلفين من مبطلات الحواس، الأول: وهو الختم (ويعني الإغلاق المطبق) أما الثاني: فهو"التغشية"أو"الغشاوة"والأخير لا يجوز فهمه على أساس أنه (إغلاق مطبق) ومحكم كما الختم، بل هو (أي الغشاوة) إغلاق يسمح للعين أن ترى لكن بشكل ضبابي وجزئي، ويرتكز فهمنا هذا على جملة المعاني اللغوية لكلمة"غشاوة"وكذلك استنادا إلى جملة معانيها في المواضع المختلفة من القرآن الكريم، والتي تفيد جميعها أن الغشاوة لا يمكن أن تكون تغطية كلية، بل هي حالة وسطية (بين حالتين طرفيتين) ، وهو ما يتضح في قوله تعالى: {إذ يغشيكم النعاس أمنة منه} والنعاس هنا هو حالة وسطية بين الصحو والنوم! .. ومن هنا يمكن فهم النعاس على أنه حالة بين الصحو والنوم كما أن الغشاوة على العين هي حالة بين الإبصار والعمى!!.

كذلك فإن الإشارة العلمية لكلمة (غشاوة) يمكن أن تعزز فهمنا لهذه اللفظة والذي بسطناه آنفًا، على أساس أنها حالة وسطية بين حالتين، فاللفظ"غشاء"كثيرًا ما يستخدم للتعبير عن خاصية"نصف الإنفاذ"، فغشاء الخلية سمي غشاء لأنه يُنفذُ من جهة ويمنعُ من جهة أخرى! وهناك أنواع من الأغشية يمكنها أن

(1) في مناسبة قادمة قد يكون من المناسب دراسة هذا الأمر كتطبيق على اختلاف المستويات الموضوعية في القرآن الكريم، والتي تقتضي إخلاف نبرة القراءة تبعا لذلك الاختلاف!!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت