الوضوح! وسنرى أن إشكالية عدم الفهم هنا إنما نتجت عن عدم مثول الصورة كاملةً للأفهام؛ بل حُذف بعض أجزائها، وتركت الصورة الكاملة، لحكمة يعلمها الله، تستشف استشفافا من خلال التفكر العميق.
من هنا كانت محاولة الوصول إلى المعاني الكاملة للآيات أمرًا عسيرًا، إذا ما تم تجاهل الأجزاء الخافية من الصورة المشار إليها، وكثيرا ما أدّت محاولات فهم أمثال تلك الآيات إلى إدراك جزئي لمعانيها!.
وفيما يتعلق بالصورة التمثيلية المبثوثة في بداية سورة"البقرة"وكيفية النظر إليها؛ فلعل الصورة التي نحن بصددها تبدأ فعليا من قوله تعالى: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون، ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم غشاوة} ..
وهنا لابد من التوقف عند ما تم فهمه من قبل بعض المفسرين من أن (الختم) في قوله تعالى {ختم الله على قلوبهم} إنما هو صفة للحالة التي أصبح عليها القلب، وأن (الغشاوة) في قوله {وعلى أبصارهم غشاوة} صفة للحالة التي صار عليها كل من السمع والبصر مجتمعين.
وقد جاء هذا الفهم الجزئي نتيجة لتجزيء الآية إلى مقامين موضوعيين هما: مقام (الختم) {ختم الله على قلوبهم} (أي: طبع الله على قلوبهم فلا يدخل فيها النور) ، والمقام الثاني هو مقام (التغشية) {وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة} وقد أضفوا تلك الصفة على السمع والبصر مجتمعين!! (أي: وعلى أسماعهم وعلى أبصارهم غطاء) وهذا التفسير لمدلول الألفاظ المشار إليها يتعارض مع الحقائق العلمية؛ ويتعارض كذلك مع الإمكانية الوحيدة التي تسمح لنا برسم صورة كلية للآيات كما سنري لاحقًا، فضلا عن أنه يتعارض وبشكل أساسي مع ما جاء في سورة الجاثية، والذي يحمل نفس المعنى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة} (الجاثية:23) !