الذي فُهمت به حين تنزلها أو كادت أن تنصرف عنه، لندرك بعد هنيهة أنها وردت بصورة أشد عجبًا؛ فقد وردت في كل مواضع ورودها بلفظ"مثقال ذرّة".. ولم ترد كلمة"ذرّة"مجردة ولو لمرة واحدة! وهما المصطلحان اللذان يمكن لمختص في علم الكيمياء أن يفرق بينهما بسهولةً؟!!.
إنها تلك الألفاظ -وغيرها كثير- مما له علاقة وثيقة بعلم الكيمياء؛ والتي دفعتني جميعها باتجاه البحث عنها؛ وعن مواطن الارتباط بين ما عرفناه عنها وبين ما جاء به القرآن الكريم منذ خمسة عشر قرنًا من الزمان؛ حيث ضم بين دفتيه العديد من الألفاظ ذات الإيحاء الموضوعي، والتي تنتظر أن نسلط عليها أضواء التخصص؛ لنفهم المراد منها، دون أن يؤثر ذلك على المهمة الأساسية التي نَزَلَ القرآن من أجلها .. أن يكون كتاب هداية يحمل بين طياته رسالة الرحمة.
إننا ومن خلال ما ذهبنا إليه في هذا البحث أردنا أن نثبت أمرًا صار في حكم البَدَهِي، ألا وهو أنه"ليست لدى البشر -في زمن بعينه- قدرة مطلقة لتفسيركل ما ورد في القرآن الكريم، بل إن هناك ضرورة لأخذ عامل الزمن بعين الاعتبار"ومن هنا يمكن فهم ما ذهب إليه بعض العلماء حين قال: (من هنا ندرك أن مفسري القرآن قد أخطأوا حتمًا، وطيلة قرون في تفسير بعض الآيات التي لم يكن باستطاعتهم أن يفطنوا إلى معناها الدقيق، إنّ ترجمة هذه الآيات وتفسيرها بشكل صحيح لم يكن ممكنًا إلا بعد ذلك العصر بكثير، أي في عصر قريب منا، ذلك يتضمن أن المعارف اللغوية المتبحرة لا تكفي لفهم هذه الآيات القرآنية، بل يجب، بالإضافة إليها، امتلاك معارف علمية شديدة التنوع) [1] .
وعلى الرغم من اتفاقنا مع الاقتباس الأخير؛ والذي يفيد بعدم استبعاد حدوث أخطاء في إصابة مرامي القرآن الكريم؛ بسبب محدودية ما يحمله زمن معين من انكشاف لعلوم ومعارف بعينها؛ إلا أننا نجد أن من الإنصاف التأكيد هنا على أن
(1) موريس بوكاي، القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم، ص 145 و 146.