موضوعية بحتة!! ..
لقد كان إحساس الإنسان العربي في شبه الجزيرة العربية قبل البعثة المحمدية الشريفة إحساسًا بسيطا .. إحساسا بيولوجيًا طبيعيًا أكثر منه"موضوعيًا". ولم يكن العرب في ذلك استثناء بين الأمم، إذ أن الإحساس البيولوجي أو"الطبيعي"بالزمن كان، ولا يزال، السمة البارزة التي تميز المجتمعات البدائية والقبلية.
ومع استقرارنا على حقيقة أن ما كان يحكم السلوك العربي قبل الإسلام إنما كان أساسه إحساس عميق بالذات؛ نتج عنه منهج طبيعي بيولوجي في مراقبة العالم المحيط؛ فيمكننا أن نستنتج بأن تلك الطريقة في مراقبة الحياة والتفاعل معها قد ألقت بظلالها على مجموعة من المفاهيم الذهنية التي كانت تراود العرب قبل البعثة المحمدية، حيث كان للحياة، بالنسبة لهم، اعتبارات ذهنية نفعية واضحة ..
والحياة في عرف الإنسان العربي قبل البعثة لم تكن تعدو أن تكون امتدادًا ذهنيًا نابعًا من الجذر اللغوي لكلمة (حيّ) والذي يعني بيولوجيا:"قيام الجسم بوظائفه الحيوية"، وعليه؛ فإن"الحياة"لم تكن تتجاوز كونها"وجودًا بيولوجيًا"للنوع الإنساني؛ وهي أقدم دلالة، كما يبدو، للحياة ..
ويمكننا هنا المقارنة بين"المفهوم النفعي البيولوجي" (المشار إليه آنفا) وبين مفهوم آخر يعكس الإدراك"التاريخي""الثقافي"لوجود المجموع الإنساني، وهو مشتق من الجذر اللغوي"عَمَرَ"، وهي كلمة ترتبط و"العمران"بوثيق صلة، وفيها الكثير من الدلالات التي تتناول"طبيعة الزمن"و"نمط الاقتصاد"؛ و"الروابط المشتركة"بين الأفراد .. ومن هذا الجذر بالذات اشتقت الكلمات الدالة على مظاهر الحضارة الزراعية (عامر، عامرة، عمارة، عمران) وقد ورد هذا المصطلح في القرآن الكريم للتعبير عن الحياة البشرية بسماتها الإنسانية:
{يود أحدهم لو يعمّر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر} (البقرة:96)