و {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} (فاطر:11)
كذلك فقد استخدم القرآن الكريم هذا المصطلح لوصف النشاط الأجمل في حياة الجنس الإنساني؛ وهو النشاط المتمثل في بعث الحياة في بيوت الله:
{إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر} (التوبة:18)
ولعل من أسباب تفرد وتميز"العمران"على"الحياة"أن الأولى تأتي متضمنةً الثانية؛ وتتفوق عليها بأنها تأتي مشحونة بمضمون إنساني واضح!.
ومع تركيز القرآن الكريم على الطبيعة"الموضوعية"للوجود من حولنا؛ فهو لم يحاول أن يلغي الاعتبارات"الذاتية"للحياة الإنسانية النابضة والمستشعرة لذلك الوجود، بل لقد جعل من الإدراك اللطيف للوجود أمرًا مستحيلًا بدون ذات إنسانية مرهفة! فالوجود الموضوعي، من هذه الناحية، إنما هو امتداد طبيعي ومتقدم لإدراكنا البيولوجي لطبيعة ذلك الوجود، ولعل الارتباط بين شطر الآية الكريمة: {والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا، وما تحمل كل أنثى ولا تضع إلا بعلمه ... } (فاطر:11) وارتباطها بالوجود المُتَضَمَنْ في شطرها الآخر: { ... وما يعمر من معمّر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} (فاطر:11) .. ما يشير إلى الصلة الواضحة بين"الإدراك البيولوجي"وما يترتب عليه من إدراك"موضوعي""ثقافي"للوجود!. والإحساس الذاتي البيولوجي (كما يصوره القرآن الكريم) يعتبر مرحلة سابقة على بدء الإدراك الموضوعي الواسع للوجود، لكن الإدراك البيولوجي يجب ألا يلغي الإدراك الموضوعي بحال من الأحوال ..
ومن هنا ندرك أن القرآن الكريم قد دمج بين الإدراكين:"الذاتي"و"الموضوعي".. للوصول إلى مزيج لطيف من الإدراك الشامل للوجود من حولنا!.