فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 259

يدخروا من جهدهم جهدا؛ في سبيل الحفاظ على هذا القرآن؛ على الصورة التي نزل عليها، ابتداء بما ابتدعوه من منهجية علمية فريدة اختصوا بها القرآن وحده؛ وقد كان القرآن سببا في نشأة تلك المنهجية، والتي حاولوا من خلالها الحفاظ على هذا الكنز الثمين بعيدًا عن الضياع أو النسيان؛ وبعيدًا عن شبهة التحريف، بحيث ظل القرآن على حاله الأول {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} ..

وقد أدى ما تمتع به أولئك الرجال من حسٍ عالٍ بالمسئولية تجاه القرآن الكريم، أدّى بهم ذلك إلى الحذر، بل الحذر الشديد، في التعامل معه، ولم يكن الحذر ديدنهم وحدهم، بل إن الطريقة التي تعامل من خلالها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مع آيات القرآن المنزلة تباعًا إنما كانت تدل على قدرٍ عظيم من الحرص والحذر، إذ حرص رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على تدوين الآيات والسور حال تنزلها، وهو ما لم يفعله (صلى الله عليه وسلم) مع الأحاديث الشريفة، وقد اختط الصحابة الكرام من بعده (صلى الله عليه وسلم) نفس النهج المتميز بالحذر، فعمد أبو بكر الصديق وعثمان بن عفان، رضي الله عنهما، إلى جمع القرآن الكريم ونسخه وتوزيعه في آفاق الدولة الإسلامية ..

هذا من حيث التعامل المادي مع القرآن الكريم، من حيث كونه نصوصًا مكتوبةً ومدونة على أوراق أو جلود أو خشب أو حتى عظام حيوانات .. إلا أن الحرص قد دفع بهم إلى اتخاذ إجراءات أشد؛ لأجل الحفاظ عليه من ناحية تواتره الصوتي، والذي هو جزء لا يتجزأ من تواتره بشكل عام [1] فقاموا بابتداع

(1) لدى ذكر تواتر القرآن فإن فكر البعض يذهب إلى عملية تواتره الكتابي والمصحفي، إلا أن هناك تواترا آخر لا يقل أهمية عن ذلك، ألا وهو التواتر الصوتي، فالعلة في التواتر هي بقاء أصوات القرآن على ما هي عليه، وأشكال الكتابة المختلفة من حروف ونقاط وتشكيل إنما الغاية والغرض منها: المحافظة على تلك الأصوات كما هي، ولبيان أهمية التواتر الصوتي فإن ألفاظا قرآنية مثل كلمة"مجريها"على سبيل المثال في قوله تعالى {بسم الله مجريها ومرساها} لا يمكن إظهار تواترها اعتمادا على شكل الكلمة المكتوبة، بل إن لها طريقة خاصة في قراءتها، فالياء فيها تقع، من حيث اللفظ، بين الألف والياء، وهي من حيث النطق تشبه حرف A في الإنجليزية. وكما ذكرنا آنفا فإن العلماء يؤكدون على عدم جواز حفظ القرآن بصورة منفردة، بل لابد من تلقيه عمن يتقن تواتره، وذلك حفاظا على تواتره الصوتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت