فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 259

منطقي بحت، أو أن تصور حقيقةً أو حادثًا ما في بساطته العارية من كل لباس، فإنني أرى حادثًا يقع أمامي فأصيح راثيًا لحال صاحبه: (آه! المسكين!) ، وأقابل صديقا لم أكن أتوقع لقاءه فأقول له: (أنت! هنا!) .. الخ فهذه الجمل ذات قيمة انفعالية عالية، واضحة كل الوضوح، فإذا صيغت في لغة المنطق الجدلية صارت: (أرثي لهذا المسكين) أو (يدهشني أن أراك هنا) .

ومن هذا المنطلق فإن اللغة، من وجهة نظر علماء النفس، لا يصح أن تدرس على أنها أداة عقلية فحسب، لأن الإنسان كما أنه يتكلم ليصوغ أفكاره، فهو يتكلم ليؤثر في غيره من الناس، وليعبر عن أحاسيسه ومشاعره وعواطفه، فهو يعبر باللغة عن نفسه كما يعبر عن آرائه، بل إنه يمكن القول بأن التعبير عن أية فكرة بتعبير ما (مهما كان ذلك التعبير شائعًا أو عاميًا مبتذلًا) لا يخلو مطلقًا من العناصر الانفعالية، إلا إذا استثنينا اللغة والتفكير العلميين؛ حيث يجب أن تكون تلك اللغة معبرةً عن الفكرة المحضة؛ والحقيقة المجردة الخالية من الانفعالات النفسية .. فإذا ما قلت مثلًا: (حامد يضربُ عليًا) بدا وكأنني أعبرُ، بكل بساطة، عن علاقة بين شخصين يجمع بينهما حدث الضرب، وهذا كل ما يزودني به التحليل المنطقي المزعوم، لكن في الواقع إن مثل هذه الجملة لا يمكن مطلقا أن تكون مجرد عبارة منطقية يعبر بها عن علاقة ما؛ إذ أني أضيف إليها دائما ألوانا انفعالية، فضرب"حامد"لـ"علي"لا يمكن أن يكون عديم الأثر بالنسبةِ لي، إذ لو لم يكن له مساسٌ بنفسي لما قلته، لهذا فإن مثل هذه الجملة ذات قيمة انفعالية تختلف اختلافا كبيرًا عن تلك القيمة التي تكون لها لو كنت قد قرأت تلك العبارة في كتاب من كتب التاريخ يدور فيه الحديث عن ملك ما اسمه"حامد"وملك آخر اسمه"علي"لا يعنيني من أمرهما شيء، ذلك أن القصص التاريخي موضوعي دائما، وهذا هو السبب الذي يجعل الدارس للتاريخ لا يتأثر بالفظائع التي يرتكبها البشر؛ لأنه يراها تقع في ماض سحيق، بعكس شعورنا ونحن نقرأ خبرًا لجريمةٍ وقعت في مدينتنا!!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت