الذب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من آكد الواجبات , و أجلّ القربات , والتطاول على مقامه الشريف أشنع الموبقات , وأشد المهلكات , فما بقاء الأمة بعد شتم نبيها - صلى الله عليه وسلم -؟! وعلينا أن نبذل الغالي والنفيس في الذب عن حرمة سيّد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - , وأن تحرّك الأحوال الإيمانية , وما تستلزمه من مواقف عملية واحتسابية تجاه كل من انتقص نبينا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - , و الذي هو أعظم نعمة أنعم الله بها على البشر مطلقًا , فقد فتح الله به أعينا عميًا , وآذانًا صمًّا , وقلوبًا غُلْفًا.
ورحم الله أبا العباس ابن تيمية إذ يقول:"فإن الكلمة الواحدة من سبّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تحتمل بإسلام ألوف من الكفار , وَلأَن يظهر دين الله ظهورًا يمنع أحدًا أن ينطق فيه يطعن أحبُّ إلى الله ورسوله من أن يدخل فيه أقوام وهو منتهك مستهان" (الصارم المسلول على شاتم الرسول 3/ 939) .
وما أروع ما حرره السبكي - رحمه الله - في مطلع كتابه"السيف المسلول على من سبّ الرسول", فقال عن سبب تصنيفه:"وكان الداعي إليه أن فتيا رفعت إلىّ في نصراني سبّ (النبي - صلى الله عليه وسلم -) ولم يُسلِم , فكتبتُ عليها , يقتل النصراني المذكور , كما قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - كعبَ بن الأشرف , ويطّهر الجناب الرفيع من ولوغ الكلب."
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يُراق على جوانبه الدم
-إلى أنه قال - وليس لي قدرة أن أنتقم بيديّ من هذا الساب الملعون , والله يعلم أن قلبي كاره منكر , ولكن لا يكفي الإنكار بالقلب ها هنا , فأجاهد بما أقدر عليه من اللسان والقلم , وأسأل الله عدم المؤاخذة بما تقصر يدي عنه , وأن ينجّيني كما أنجى الذين ينهون عن السوء , إنه عفو غفور" (السيف المسلول صـ 13, 14) ."
وها هو ابن عابدين الحنفي يقول - عن شقي استطال على خاتم المرسلين - - صلى الله عليه وسلم:"وإن كان لا يشفي صدري منه إلا إحراقه وقتله بالحسام" (رسائل ابن عابدين 1/ 293) .
-أجمع العلماء على كفر شاتم الرسول - صلى الله عليه وسلم - , وقد حكى الإجماع كثير من أهل العلم , ونقتصر على مثال واحد , فقد قال القاضي عياض:"اعلم - وفقنا الله وإياك - أن جميع من سبّ النبي - صلى ا لله عليه وسلم - , أو عابه , أو ألحق به نقصًا في نفسه , أو نسبه , أو دينه , أو خصلة من خصاله , أو عرّض به , أو شبّهه بشئ على طريق السبّ له , أو الإزراء عليه , أو التصغير لشأنه , أو الغضّ منه , والعيب له , فهو سابّ له , والحكم فيه حكم السابّ ..."
وهذا كله إجماع من الصحابة و أئمة الفتوى من لدن الصحابة - رضوان الله عليهم - إلى هلم جرا.
-إلى أن قال - ولا نعلم خلافًا في استباحة دمه , وقد ذكر غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره" (الشفا 2/ 932, 933 = باختصار) ."
فهل بعد هذا يسوغ التغاضي والسكوت عن زندقة هذا المأفون المهين؟!
-جمع ذاك البغيض رعونة وحمقًا , وزندقة صلعاء , وردة مغلّظة , كما جمع تلونًا مكشوفًا , وروغانًا ممجوجًا.
وما دعواه أنه تاب إلا كذب وتمويه , وتلبيس وتدليس.
فالواقع المشاهد أنه لم يتب صراحة عن مقالته الشوهاء , ولو تاب ذاك المهين فإن العلماء المحققين قد قرروا أن ساب الرسول - صلى الله عليه وسلم - يُقتل و لايستتاب ,
كما بسطه وحرره ابن تيمية في الصارم المسلوم (3/ 549 - 952) ومن ذلك قوله - رحمه الله:"وكل جرم استحق فاعله عقوبةً من الله إذا أظهر ذلك الجرم عندنا وجب أن نعاقبه ونقيم عليه حدَّ الله , فيجب أن نبتر من أظهر شنآنه - صلى الله عليه وسلم - وأبدى عداوته , وإذا كان ذلك واجبًا وجب قتلُه , وإن أظهر التوبةَ بعد القدرة , و إلا لما انبتر له شانئ بأيدينا في غالب الأمر , لأنه لا يشاءُ شانئ أن يظهر شنآنه ثم يُظهر المتاب بعد رؤية السيف إلا فعل , فإن ذلك سهلٌ على من يخاف السيف" (الصارم المسلوم3/ 863) .
-وأخيرًا فإن حماقات هواة الأقلام وتوثبهم على الشرع المنزَّل , وعدم إخضاعهم للقضاء الشرعي , كان سببًا ظاهرًا في وقوع هذه الطوام ونظائرها .. فإن كان المذكور له"امتياز"بأن يحاكم إلى غير شرع الله - تعالى - , فما يصنع بجيفته؟! فهل يدفن في مقابر المسلمين وقد تلبّس بهذا الجرم الشنيع؟ أم يخصّ بمقبرة تلائمه وأشباهه؟ ومما يحسن ذكره ها هنا ما وقع سنة 1933م في بلاد تونس , فقد حكى الشيخ محمد رشيد رضا - رحمه الله - أن أهل الإسلام في تونس منعوا المتجنسين بالجنسية الفرنسية من دفن موتاهم بين المسلمين في مقابرهم , لأنهم مرتدون عن الإسلام بما تقتضيه الجنسية الفرنسية من التزواج والتوارث بأحكام القانون الفرنسي المخالف لنصوص القرآن والسنة مما هو مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة , فأرادت الحكومة الفرنسية إجبار المسلمين على دفنهم في مقابرهم , و ظاهرها بعض المنافقين على هذا فخاب سعيها وعجزت قوتها عن ذلك , وانتهى الأمر بإنشاء مقبرة خاصة بهؤلاء المرتدين المصرّين على كفرهم. (انظر: فتاوى محمد رشيد رضا 6/ 2540) .
وهكذا فإن الخروج على الرسالة المحمدية لا يعقبه إلا تفرّقًا وتشرذمًا , ولا يخلف إلا ظلمة ونكدًا , فالدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة المحمدية , وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة , ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة , وهو من الأموات.
والله حسبنا ونعم الوكيل,,,