فالشاعر في دعائه يتفقد منازل محبوبته هند، وكأنه بذلك يسعى إلى تثبيت أركان هذا الحب في ذاكرة المكان الذي هو نجد، وإبقائه أخضر نديًا على الزمن.
وفي الأبيات التالية دعاء آخر يتفقد صاحبه بعض الأمكنة التي يتمنى لها السقيا، والاخضرار، والتي ترتبط أيضًا بمحبوته زلفاء:
سَقَى دِمنتينِ ليس لي بهما عهدُ
بحيثُ التقى الداراتُ والجَرَعُ الكُبْدُ
فيا ربوةَ الرَّبعينِ حُييتِ ربوةً
على النأيِ مِنَّا واستهلَّ بِكِ الرعدُ. (16) .
وهذا مروان الأصغر يحيط نجدًا بحب مدهش حقًا فيدعو له بالسقيا، ويهديه السلام، ويعلن عن حبه له، وتفضيله على غيرهِ من البقاعِ، مهما شت به المزار، ونأى عنه:
سقى الله نجدًا والسلام على نجدِ
ويا حبذا نجدًا على النأيِ والبُعْدِ
أما الصِّمة القشيري فيطلب من آخرين أن يشاركوه الدعاء لله، أن يسقي الحمى، ثم يطمئن إلى أن الله قد استجاب، فسقى الحِمى، وما حوله من ربوع، ثم يلتفت إلى أمر آخر، وهو أنه دائم السؤال عن الحمى، كلما لقي قادمًا منه، ليطمئن إلى سقياه، ثم يسأل ذلك السؤال الحرج: هل يسأل أهل الحمى عن حاله كما يسأل عن حالهم؟
ألا تسألانِ الله أن يسقيَ الحِمى
بلى فسقى الله الحِمى والمَطاليا
وأسألُ مَنْ لاقيتُ: هل مُطِرَ الحمى
فهل يسألنْ أهلُ الحِمى: كيف حاليا؟ (17) .
وتمكن ملاحظة الروح الإنسانية لدى الشاعر حين اطمأنَّ أن الغيث قد شمل بسقياه كلًا من الحمى، والمناطق التي تتوالد فيها حيوانات البر، وتربي صغارها بعيدًا عن الناس، وفي ذلك تصعيد لغرائز الإنسان، وارتقاءٌ بأفكاره، التي توسع دائرة مسؤوليتيه في البيئة لتشمل الإنسان، والمكان، ومخلوقات البيئة المحيطة به.
ويبرز البيت الثاني مما قاله الصِّمة حالة التجاذب الحميمية رغم ما يعتريها أحيانًا من عذابات بين الحمى وأهله وبين الشاعر، وهي حالة متوهجة لا يطفئ جذوتها إلا الموت.
وختامًا، نستطيع القول: إن جاذبية نجد بلغت درجة مدهشة، وقد وجدت في شاعرية النجديين خير معبر عنها، بما اتصفوا به من حضور بديهة، وصفاء نفوس، ورقة لسان، وطلاوة لغة، وجموح خيال، وتوهج عاطفة، وأرواح محلقة، شغوف، مرهفة، عشاقة.
ولعل في الكلمات التي ظل الصِّمة القشيريُّ يرددها تكرارًا، ليرطب لسانه بها، وهو يجود بأنفاسه، غريبًا على أرض"طبرستان"، خير معبر عن جاذبية نجد، وعن انجذاب أهلها إليه:
تَعَزَّ بصبرٍ لا وَجَدِّكَ لا ترى
بَشَام الحِمى أخرى الليالي الغوابِرِ
كأن فؤادي من تذكُّرِهِ الحمى
وأهل الحِمى يهفو به ريشُ طائرِ (18) .
(1) ـ كتاب الأغاني ـ أبو الفرج الأصفهاني ـ ج13 ـ ص: 47 ـ48.
(2) ـ كتاب الأمالي ـ أبو علي القالي ـ ج1 ـ ص: 55.
(3) ـ كتاب الأمالي ـ ص 53.
(4) ـ كتاب الأغاني ـ ج17 ـ ص: 104، وانظر: ج5 ـ ص: 234.
(5) ـ كتاب الأمالي ـ ص: 218.
(6) ـ كتاب الأغاني ـ أبو الفرج الأصفهاني ـ ج23 ـ ص:208.
(7) ـ كتاب الأمالي ـ ج1 ص:31 ـ 32.
(8) ـ المرجع نفسه ـ ج1 ص 189.
(9) ـ المرجع نفسه ـ ج 2 ـ ص:177.
(10) ـ المرجع نفسه ـ ج2 ص38 ـ 39. قرَّف القُرح: قشره
(11) ـ شعر الحسين بن مطير ـ ص: 49.
(12) ـ كتاب الأمالي ـ مرجع سابق ـ ج1 ـ ص:205.
(13) ـ كتاب الأغاني ـ ج2 ـ ص: 24.
(14) ـ كتاب الأمالي ـ ج1 ـ ص:188.
(15) ـ كتاب الأغاني ـ ج1 ـ ص:299.
(16) ـ كتاب الأمالي ـ ج1 ـ ص:54.
(17) ـ كتاب الأغاني ـ ج6 ـ ص:3.
(18) ـ المرجع نفسه ـ ج6 ص: 4.
المراجع:
1 ـ كتاب الأغاني ـ أبو الفرج الأصفهاني ـ مركز تحقيق التراث بإشراف: محمد أبو الفضل إبراهيم ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ 1992 ـ 24 جزءًا.
2 ـ كتاب الأمالي ـ أبو علي القالي ـ جزآن ـ دار الحكمة ـ لبنان ـ دون تاريخ.
3 ـ شعر الحسين بن مطير ـ جمع وتحقيق: د. محسن غياث ـ مديرية الثقافة العامة ـ بغداد ـ 1391هـ /1971م.
* باحث في التراث، من فلسطين
ـ [العاصمي] ــــــــ [17 - 02 - 06, 11:01 ص] ـ
جزاك الله خيرا.
ـ [أبو أسامة القحطاني] ــــــــ [17 - 02 - 06, 02:46 م] ـ
جزاك الله خيرًا ...
فيا لائمي في حب نجد وأهله ... أصابك بالأمر المهم مصيبُ
أكرر طرفي نحو نجد وإنني ... إليه وإن لم يدرك الطرف أنظرُ
حنينًا إلى أرض كأن ترابها ... إذا مطرت عودٌ ومسكٌ وعنبرُ
هناك كتاب جميل جدًا جمعه وأعده وعلق عليه خالد بن محمد الخنين صدر عن مؤسسة الرسالة في مجلد واحد اسمه (نجد ومفاتنه الشعرية) وهو جامع لما قيل في نجد وحنين أهلها إليها.
وله كتاب آخر في مجلدين قريب من هذا الموضوع ولكني نسيت اسمه.
والله أعلم ..
ـ [عبدالعزيز بن سعد] ــــــــ [17 - 02 - 06, 04:37 م] ـ
وقال السديري:
أنا من نجد ويكفيني هواها
ويطفي لوعتي شربي لماها
ـ [أبو هداية] ــــــــ [17 - 02 - 06, 10:58 م] ـ
الحمد لله
من الأمور المسلمة افتتان الرحالة الغربيين بنجد، ذكر أحدهم - نسيت من هو - قد يكون شكسبير أو فلبي، يقول: إن أهل نجد لديهم أمران هما كالأكسجين بالنسبة لهم: الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فتعجبت من وصفه ودقة ملاحظته.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)