وفي قصة الفتى العامري من بني نمير الذي اشتد عليه المرض في بغداد صورة بليغة لهذا الحنين، وهذا الشوق الجارف إلى الموطن، فقد رأى ذلك الفتى وميض البرق جهة دياره فهاجت مشاعره، وهو بين أنياب المرض، فتمنى رؤية وطنه قبل أن يفارق الدنيا، حيث يقول:
ألا يا سنا برقٍ على قُللِ الحِمى
لَهِنَّكِ مِنْ برقٍ عليَّ كريمُ
لمعتَ اقتذاءَ الطير والقومُ هُجَّعٌ
فهيَّجتَ أسقامًا وأنتَ سليمُ
فهل من معير طرفَ عينٍ خَليَّةٍ
فإنسانُ طرفِ العامريِّ كليمُ
رمى طرفَهُ البرقُ الهلاليُّ رميةً
بذكرِ الحِمى وهنًا فباتَ يهيمُ (5) .
فقيل له: يا هذا، إنك لفي شُغُلٍ عن هذا؛ فقال: صدقتَ، ولكن أنطقني البرق. ثم اضطجع فما كان ساعة حتى مات.
اللَّهْجُ باسمِ نجد:
يمكن لأي مهتم أن يلاحظ ولع النجديين بالتلفظ بكلمة"نجد"وتكرار لفظها مرارًا في البيت الواحد أحيانًا، وكأنها فلذة شهد لا يود اللسان مفارقتها، وما أبلغ كلمات مروان الأصغر بن أبي الجنوب حيث يقول:
سقى الله نجدًا، والسلامُ على نجدِ
ويا حبذا نجدًا على النأي والبُعدِ
نظرتُ إلى نجدٍ وبغدادُ دونَها
لعليِّ أرى نجدًا، وهيهاتَ من نجد
ونجدٌ بها قومٌ هواهم زيارتي
ولا شيء أحلى من زيارتهم عندي (6) .
ست مرات تكررت كلمة (نجد) في البيتين الأولين فقط، فأية لذة مذهلة يجدها النجدي في أحرف كلمة (نجد) ليرددها مرارًا لتظل عالقة في لسانه، وذهنه، ووجدانه! وليكثِّف بها فيضًا من لواعج الحب والشوق تطفح به النفس فلا تطيق احتباسه! ...
ولننظر أيضًا إلى هذا البيت الذي يعبر عن جوهر العلاقة بين النجدي وبين موطنه:
قفا ودِّعا نجدًا ومَنْ حَلَّ بالحِمى
وقلَّ لنجدٍ عندنا أن يُوَدَّعا
فالنجدي إذن لم يكن يفارق نجدًا إلا نادرًا، واضطرارًا، ولا يكاد يفارقه حتى يحن إليه، ويلهج باسمه، بل كثيرًا ما يستبد به الشوق قبل أن يقطع أرض نجد، فيحاول أن يملأَ صدره بعبق العرار، ونفحات تلك الأرض، وهو بذلك يتشبث بكل مايمكنه التشبث به من ربوع نجد، ولو استطاع حمله لحمله معه ليتزود به في غربته، وما تكرار اسم"نجد"في هذه الحال إلا نوع من التشبث بالموطن وبكل مايمت إليه بصله. وهذه هي حال القائل ـ وهو الصِّمة القشيري حسب بعض الروايات ـ الذي يكادُ يذوب في نفحات نجد، وريح عراره:
أقولُ لصاحِبي والعيسُ تخدي
بنا بين المُنيفةِ فالضِّمارِ
تَمتَّعْ من شميمِ عَرار نجدٍ
فما بعدَ العشيةِ من عرارِ
ألا حبذا نفحات نجدٍ
ورَيَّا روضهِ بعد القِطارٍ
وأهلُكَ إذ يحلُّ الحَيُّ نجدًا
وأنتَ على زمانكَ غيرُ زاري
شهورٌ ينقضينَ وما شعرنا
بأنصافٍ لهنَّ ولا سِرار (7) .
وفي هذه الأبيات إشارات لأسباب تعلق النجديين بموطنهم، منها طيب هوائه، وجودة نباته، وطيب الحياة فيه.
وقد عَبَّرَ بدويٌ من بني طهية عن معاناة النجدي في غربته عن موطنه وعن محبوبته، وقد يئس من إمكانية الإياب، وهو يحصي أيام اغترابه وطول لياليه، وفكر بحياته التي لا"ليلى"فيها، ولا"نجد"، فهو إذن في حرمان مرير إلى يوم القيامة:
أحنُّ إلى نجدٍ وإني ليائسٌ
طوالَ الليالي من رجوع إلى نجدِ
فإنكَ لا ليلى ولا نجد فاعترِفْ
بهجرٍ إلى يومِ القيامة والوَعدِ (8) .
ويمكن للقارئ أن يلاحظ تكرار كلمة"نجد"ثلاث مرات في هذين البيتين، والشاعر بذلك يحاول استحضار بلاده، وإبقاء صورتها مرسومة في ذهنه ووجدانه بكل تجلياتها، يستمد منها طاقة حياته في غربته، بينما لم يذكر اسم محبوبته"ليلى"إلا مرة واحدة، وكأن محبوبته قد تماهت في"نجد"، فحين يلهج باسمه يلهج باسمها ضمنًا.
فاللهج باسم نجد إذن محاولة ذات محرك نفسي، لإشعار المغترب بأنه غير مبتور الأسباب من وطنه وأن صلاته باقية على الرغم من البعد.
التعلُّق بهواءِ نجد:
أغلب الذين عبروا عن توقهم إلى بلاد نجد أثناء غربتهم ذكروا رياح الصبا بمحبة غامرة، وإعجاب شديد ببرودتها المنعشة، التي تجدد النشاط، وتبسط النفس، ومما يروى أن امرأة نجدية تزوجت تهاميًا، ولما خرج بها الرجل إلى تهامة شعرت بحرها، فقالت:"ما فعلت ريح كانت تأتينا ونحن بنجد يقال لها: الصبا؟ قال:"يحبسها عنك هذان الجبلان". فأنشدت:"
أَياَ جَبَلَيْ نعمانَ بالله خَلِّيا
نسيمَ الصَّبا يَخلُصْ إليَّ نسيمُها
أَجِدْ بردَها أو تَشْفِ مني حرارةً
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)