قد يسأل بعض الناس عن سبب التحريم بالإرضاع وعلته، وإن أهل الإيمان يجب عليهم أولًا أن يطيعوا أمر ربهم ويَمتثلوا ويُذعِنوا موقِنِين أن الخير فيما أحلّه الله لهم وأن الشرّ والضّرّ فيما حرّمه عليهم؛ إذ في التحريم إبعادُهم عما يضرّهم وعما فيه الفسادُ للنفس أو للذوق أو للعقل أو للبدن أو للذرية، فالصلاح في طاعة الله ورسوله، ولنسمعْ ربنا عز وجل يقول لعباده: (إنما كان قولَ المؤمنين إذا دُعُوا إلى اللهِ ورسولِه ليحكُمَ بينهم أن يقولوا سَمِعنَا وأطَعنَا وأولئك هم المُفلِحون) (النور: 51) إن التهاون في أمر الإرضاع لغير أولاد المُرْضِع أمر عظيم الخطر سيئ العواقب، وينبغي أن يكون معلومًا أن المُرضِع حين تغذِّي الرضيع بلبنها إنما تبني هيكله وتنمّي بِنيَتَه، وأن أعضاء الطفل إنما تنمو بلبن مُرضِعَتِه، ولذا صارت المرضعة أُمًّا له بعد أمه التي ولدته وصار أولادها إخوةً له وأخوات، فهل من الذوق السليم والطبع المستقيم أو من الاحترام الواجب أن تكون أمُّ المرء أو خالتُه أو عمتُه أو أختُه زوجًا له؟ إن الارتباط بين الرضيع وأهل مرضعته قويّ شديد، فالتحريم فيه الصلاح؛ إذ يترتب على الزواج بالمحرَّمات من الرضاع مفاسد وشرور. إن كل ما يَحرُم من النسب يَحرُم من الرضاع نظيرُه، فيَحرُم على الرجل أن يتزوج أمهاته من الرضاعة وإن عَلَونَ، وبناتِه من الرضاعة وإن سَفَلنَ، وأخواتِه من الرضاعة، وبناتِ أخواتِه من الرضاعة، كما يحرُم عليه عماتُه وخالاتُه من الرضاعة وإن عَلَونَ، دون بناتهنَّ.