الرابعة عشرة: واختلفوا في رجوع المُجِيزِين للوصية للوارث في حياة الموصِي بعد وفاته، فقالت طائفة: ذلك جائز عليهم وليس لهم الرجوع فيه. هذا قول عطاء بن أبي رباح وطاووس والحسن وابن سيرين وابن أبي ليلى والزهريّ وربيعة والأوزاعيّ. وقالت طائفة: لهم الرجوع في ذلك إن أحبُّوا. هذا قول ابن مسعود وشُريح والحكم وطاووس والثوريّ والحسن ابن صالح وأبي حنيفة والشافعيّ وأحمد وأبي ثور، واختاره ابن المنذر. وفرَّق مالك فقال: إذا أَذِنُوا في صحته فلهم أن يرجعوا، وإن أَذِنُوا له في مرضه حين يُحجب عن ماله فذلك جائز عليهم. وهو قول إسحاق.
احتج أهل المقالة الأولى بأن المنع إنما وقع من أجل الورثة فإذا أجازوه جاز. وقد اتفقوا أنه إذا أوصى بأكثر من ثلثه لأجنبيّ جاز بإجازتهم فكذلك هاهنا.
واحتج أهل القول الثاني بأنهم أجازوا شيئًا لم يَملكوه في ذلك الوقت، وإنما يُملك المال بعد وفاته، وقد يموت الوارث المستأذن قبله ولا يكون وارثًا وقد يرثه غيره؛ فقد أجاز من لا حق له فيه فلا يلزمه شيء.
واحتج مالك بأن قال: إن الرجل إذا كان صحيحًا فهو أحق بماله كله يصنع فيه ما شاء، فإذا أَذِنُوا له في صحته فقد تركوا شيئًا لم يجب لهم، وإذا أَذِنُوا له في مرضه فقد تركوا ما وجب لهم من الحق فليس لهم أن يرجعوا فيه إذا كان قد أنفَذَه لأنه قد فات.
الخامسة عشرة: فإن لم يُنفذ المريض ذلك كان للوارث الرجوعُ فيه؛ لأنه لم يَفُتْ بالتنفيذ. قاله الأبهَريّ. وذكَر ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه أن قول مالك في هذه المسألة أشبه بالسُّنّة من غيره. قال ابن المنذر: واتفق قول مالك والثوريّ والكوفيين والشافعيّ وأبي ثور أنهم إذا أجازوا ذلك بعد وفاته لَزِمَهم.