البخاريّ عن ابن عباس قال: كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين، فنَسَخَ من ذلك ما أحَبَّ، فجعَل للذكر مثلَ حظِّ الأنثَيَين، وجعَل للأبَوَين لكل واحد منهما السدسَ؛ وجعَل للمرأة الثمنَ والربعَ، وللزوج الشطرَ والربعَ. وقال ابن عمر وابن عباس وابن زيد: الآية كلها منسوخة، وبَقيَت الوصية ندبًا. ونحو هذا قول مالك رحمه الله، وذكره النحاس عن الشعبيّ والنخعيّ. وقال الربيع بن خُثيم: لا وصية. قال عروة بن ثابت: قلت للربيع بن خُثيم: أَوْصِ لي بمصحفك. فنظر إلى ولده وقرأ:"وأولوا الأرحام بعضُهم أَوْلَى ببعضٍ في كتابِ الله" [الأنفال: 75] ونحوَ هذا صنَع ابن عمر رضي الله عنه.
الثانية عشرة: قوله تعالى"والأقرَبِين"الأقرَبون جمع أقرَب. فقال قوم: الوصية للأقرَبِين أَوْلَى من الأجانب؛ لِنصّ الله تعالى عليهم. حتى قال الضحاك: إن أوصَى لغير قرابته فقد ختَم عمله بمعصية. ورُويَ عن ابن عمر أنه أوصَى لأمهات أولاده لكل واحدة بأربعة آلاف. ورُويَ أن عائشة وصَّت لمولَاةٍ لها بأثاث البيت. ورُويَ عن سالم بن عبد الله بمثل ذلك. وقال الحسن: إن أوصَى لغير الأقرَبين رُدَّت الوصية للأقرَبين؛ فإن كانت لأجنبيّ فمعهم، ولا تجوز لغيرهم مع تركهم. وقال الناس حين مات أبو العالية: عجبًا له؛ أعتَقَته امرأة من رِيَاح وأوصَى بماله لبني هاشم! وقال الشعبيّ: لم يكن له ذلك ولا كرامة. وقال طاووس: إذا أوصَى لغير قرابته رُدَّت الوصية إلى قرابته ونُقض فعله. وقاله جابر بن زيد. وقد رُويَ مثل هذا عن الحسن أيضًا، وبه قال إسحاق بن راهويه. وقال مالك والشافعيّ وأبو حنيفة وأصحابهم والأوزاعيّ وأحمد بن حنبل: من أوصى لغير قرابته وترك قرابته محتاجين فبئسما صنع! وفعله مع ذلك جائز ماضٍ لكل مَن أوصَى له من غنيٍّ وفقير، قريب وبعيد، مسلم وكافر. وهو معنى ما رُوي عن ابن عمر وعائشة، وهو قول ابن عمر وابن عباس.