وقوله:"من بعد وصيةٍ يُوصِي بها أو دَينٍ"أجمع العلماء سلفًا وخلفًا أن الدَّين مقدَّم على الوصية، وذلك عند إمعان النظر يُفهم من فحوى الآية الكريمة. وقد روى أحمد والترمذيّ وابن ماجه وأصحاب التفاسير عن عليّ بن أبي طالب قال: إنكم تقرأون"من بعد وصيةٍ يُوصِي بها أو دَينٍ"وإن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قضَى بالدَّين قبل الوصية، وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العَلَّات، يَرِث الرجلُ أخاه لأبيه وأمِّه دونَ أخيه لأبيه. ثم قال الترمذيّ: لا نعرفه إلا من حديث الحارث، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم، قلت: لكن كان حافظًا للفرائض معتنيًا بها وبالحساب، والله تعالى أعلم قال الشيخ شاكر: الحارث هذا هو ابن عبد الله الأعور، وهو تابعيّ ضعيف الحديث. وانظر المسند [595، 1091، 1221] وقوله:"آباؤُكم وأبناؤُكم لا تَدرُون أيُّهم أقرَبُ لكم نفعًا"أي: إنما فرَضنا للآباء وللأبناء وساوَينَا بين الكل في أصل الميراث على خلاف ما كان عليه الأمر في الجاهلية ـ على خلاف ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من كون المال للولد وللأبَوَين الوصية، كما تقدم عن ابن عباس ـ إنما نسَخ الله ذلك إلى هذا ففرَض لهؤلاء ولهؤلاء بحسَبهم، لأن الإنسان قد يأتيه النفع الدنيويّ أو الأخرويّ أو هُمَا من أبيه ما لا يأيته من ابنه، وقد يكون بالعكس، فلهذا قال:"آباؤُكم وأبناؤُكم لا تَدرُون أيُّهم أقرَبُ لكم نفعًا"أي: إن النفع متوقَّع ومرجوٌّ من هذا كما هو متوقَّع ومرجوٌّ من الآخر، فلهذا فرَضنا لهذا ولهذا وساوَينَا بين القسمَين في أصل الميراث. والله تعالى أعلم.
وقوله:"فريضةً من الله"أي: هذا الذي ذكرناه ـ من تفضيلِ الميراث وإعطاءِ بعضِ الورثة أكثَرَ من بعض ـ هو فرضٌ من الله، اللهُ حكَم به وقَضَاه، وهو العليم الحكيم الذي يضع الأشياء في محالِّها ويُعطي كُلًّا ما يستحقه بحسبه. ولهذا قال:"إن اللهَ كان عليمًا حكيمًا".