السادسة عشرة: قوله تعالى (كما ربياني) خصّ التربية بالذكر ليتذكر العبد شفقة الأبوَين وتَعَبَهما في التربية فيزيدَه ذلك إشفاقًا لهما وحنانًا عليهما. وهذا كله في الأبوَين المؤمنَين. وقد نهى القرآن عن الاستغفار للمشركين الأموات ولو كانوا أولي قربى، كما تقدم. وذُكر عن ابن عباس وقتادة أن هذا كله منسوخ بقوله: (ما كان للنبيِّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين...) إلى قوله: (... أصحابُ الجحيم) (التوبة: 113) فإذا كان والدَا المسلم ذِمِّيَّين استَعمَلَ معهما ما أمَره الله به هاهنا، إلا الترحم لهما بعد موتهما على الكفر؛ لأن هذا وحده نُسخ بالآية المذكورة. وقيل: ليس هذا موضع نسخ، فهو دعاء بالرحمة الدنيوية للأبوَين المشركَين ما دامَا حيَّين، كما تقدم. أو يكون عموم هذه الآية خص بتلك لا رحمة الآخرة، لا سيما وقد قيل إن قوله (وقل رب ارحمها) نزلت في سعد بن أبي وقاص، فإنه أسلَمَ فألقَت أمه نفسَها في الرمضاء متجردة، فذُكر ذلك لسعد فقال: لِتَمُتْ. فنزلت الآية. وقيل: الآية خاصة في الدعاء للأبوَين المسلمَين. والصواب أن ذلك عموم كما ذكرنا. وقال ابن عباس: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"من أمسَى مُرضيًا لوالدَيه وأصبَحَ، أمسَى وأصبَحَ وله بابان مفتوحان من الجنة، وإن واحدًا فواحدٌ، ومَن أمسَى وأصبَحَ مُسخطًا لوالدَيه أمسَى وأصبَحَ وله بابان مفتوحان إلى النار، وإن واحدًا فواحدٌ"فقال رجل: يا رسول الله وإن ظَلَمَاه؟ قال:"وإن ظَلَمَاه وإن ظَلَمَاه وإن ظَلَمَاه". ذكره الشجَريّ في أماليه 2/120. وقد رُوِّينا بالإسناد المتصل عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا رسول الله، إن أبي أخذ مالي. فقال النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ للرجل:"فأتني بأبيك"فنزل جبريل عليه السلام على النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: إن الله عز وجل يقرئك السلام ويقول لك: إذا