إن الله يترك لِأَقْضيةِ الكون حاجة التشريع، فلا يُنزل التشريع مرة واحدة، ونضرب على ذلك مثلًا، ولله المثل الأعلى: لو أن أحدًا أتاك بزجاجة ماء بارد وأنت في غير حاجة إلى هذا الماء، أيكون قد فعل لك فعلًا مَرْضيًّا تنتفع به! ولكن لو جاءك بهذا الماء المثلج وأنت في حالة ظمأ شديد، حينئذ يكون قد أسدَى إليك معروفًا عظيمًا؛ لأن الماء في هذه الحالة يكون له قيمة كبيرة عندك، لأنه سينقذ حياتك من الهلاك. كذلك إذا لم يكن ثَمّةَ حكمٌ في مسألة من المسائل فنَستَشرِف إلى حكم كأننا نريد حكمًا من الله تعالى، وحينما يأتي الحكم في هذا الوقت يكون أثبَتَ. وحين سأل الرجلُ الرسولَ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنزل الله تعالى آية"اللعان"لأنه توجد أشياء الزوج يلاحظها، وقد يَضع يده عليها ولكنه لا يستطيع أن يأتيَ بأربعة شهود، فماذا يفعل؟ لقد وضع ربنا سبحانه وتعالى حكمًا لهذه الحالة بهذه الآية.
وقول الله تعالى: (فشهادةُ أحدِهم أربعةُ شهاداتٍ باللهِ إنه لَمن الصادقين) يقول له: أأنت تَرمي زوجتك بكذا؟ فيقول: نعم. فيقول له: فاشهَدْ أربعَ شهادات، قل: أُشهد اللهَ أنني صادق فيما رَمَيتُ به امرأتي. ويشهد شهادة خامسة: أن لعنةَ الله عليَّ إن كنتُ كاذبًا. ثم يؤتَى بها ويقال لها: زوجُك يدَّعي عليك بكذا وكذا. فإن أنكَرَت ذلك يقال لها: اشهَدي أربعَ شهادات أنه كاذب، قولي: أُشهد اللهَ أنه كاذب. والخامسة: أن غَضَبَ الله عليَّ إن كان من الصادقين.
والسؤال: وإن حلَف الاثنان؟ يقال لهما: أنتما لا تصلُحان معًا، فلا تحلُّ لك أبدًا. ويفرَّق بينهما.