والثاني: وقوع صيامهما قبل التَّماسِّ.
فلا يكون قد أتَى بما أُمر به إلا بمجموع الأمرَين.
ومنها أنه سبحانه وتعالى أطلَق إطعام المساكين ولم يقيّده بقدر ولا تتابع، وذلك يقتضي أنه لو أطعمهم فغدّاهم وعشّاهم من غير تمليك حَبٍّ أو تمرٍ، جاز وكان ممتثلًا لأمر الله. وهذا قول الجمهور ومالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وسواء أطعمهم جملةً أو متفرِّقين.
ومنها أنه لا بد من استيفاء عدد السِّتِّين، فلو أطعم واحدًا ستِّين يومًا لم يُجْزِهِ إلا عن واحد. هذا قول الجمهور، مالك والشافعيّ وأحمد في إحدى الروايتين عنه.
والثانية: أن الواجب إطعام ستين مسكينًا ولو لواحد. وهو مذهب أبي حنيفة.
والثالثة: إن وجَد غيرَه لم يُجْزِه وإلا أجزأه. وهو ظاهر مذهبه، وهي أصح الأقوال.
ومنها أنه لا يجزئه دفع الكفارة إلا إلى المساكين، ويدخل فيهم الفقراء كما يدخل المساكين في لفظ الفقراء عند الإطلاق. وعمّم أصحابنا وغيرهم الحكم في كل مَن يأخذ من الزكاة لحاجته، وهم أربعة، الفقراء والمساكين وابن السبيل والغارم لمصلحته والمكاتب. وظاهر القرآن اختصاصُها بالمساكين فلا يتعداهم.
ومنها أن الله سبحانه أطلق الرقبة ها هنا ولم يقيّدها بالإيمان وقيّدها في كفارة القتل بالإيمان، فاختلف الفقهاء في اشتراط الإيمان في غير كفارة القتل على قولين، فشرَطه الشافعيّ ومالك وأحمد في ظاهر مذهبه، ولم يشترطه أبو حنيفة ولا أهل الظاهر. والذين لم يشترطوا الإيمان قالوا: لو كان شرطًا لبيَّنه الله سبحانه كما بيَّنه في كفارة القتل، بل يُطلَق ما أطلَقه ويُقيَّد ما قيّده، فيُعمَل بالمطلَق والمقيّد. وزادت الحنيفة أن اشتراط الإيمان زيادة على النص، وهو نسخ، والقرآن لا يُنسخ إلا بالقرآن أو خبر متواتر.