ومنها أن الكفارة لا تجب بنفس الظهار وإنما تجب بالعَود. وهذا قول الجمهور. وروَى الثوريّ عن ابن أبي نَجيح عن طاووس قال: إذا تكلَّم بالظهار فقد لَزِمَه. وهذه رواية ابن أبي نَجيح عنه. وروَى مَعمَر عن طاووس عن أبيه في قوله تعالى:"ثم يعودون لما قالوا"قال: جعَلَها عليه كظهر أمه ثم يعود فيَطَؤُها، فتحريرُ رقبة. وحكى الناس عن مجاهد أنه تجب الكفارة بنفس الظهار. وحكاه ابن حزم عن الثوريّ وعثمان البَتّيّ. وهؤلاء لم يَخْفَ عليهم أن العَوْدَ شرط في الكفارة، ولكن العَوْدَ عندهم هو العَوْدُ إلى ما كانوا عليه في الجاهلية من التظاهر، كقوله تعالى في جزاء الصيد:"ومن عاد فينتقم الله منه" [المائدة: 95] أي: عاد إلى الاصطياد بعد نزول تحريمه، ولهذا قال:"عفا الله عما سلف"قالوا: ولأن الكفارة إنما وجبت في مقابلة ما تكلم به من المنكر والزور، وهو الظهارُ دون الوطء أو العزمُ عليه. قالوا: ولأن الله سبحانه لما حرم الظهار ونهى عنه كان العَوْدُ هو فعلَ المنهيِّ عنه كما قال تعالى:"عسى ربُّكم أن يَرحَمَكم وإن عدتُّم عُدنَا" [الإسراء: 8] أي: إن عدتُّم إلى الذنب عُدنَا إلى العقوبة. العَوْدُ هنا نفس فعل المنهيِّ عنه. قالوا: ولأن الظهار كان طلاقًا في الجاهلية فنُقل حكمُه من الطلاق إلى الظهار ورُتِّب عليه التكفير وتحريمُ الزوجة حتى يكفّر، وهذا يقتضي أن يكون حكمه معتَبَرًا بلفظه كالطلاق.
ونازعهم الجمهور في ذلك وقالوا: إن العَوْدَ أمر وراء مجرد لفظ الظهار، ولا يصح حمل الآية على العود إليه في الإسلام لثلاثة أوجه:
أحدها: أن هذه الآية بيان لحكم من يظاهر في الإسلام، ولهذا أتى فيها بلفظ الفعل مستقبَلًا فقال:"يظاهرون"وإذا كان هذا بيانًا لحكم ظهار الإسلام فهو عندكم نفس العَود، فكيف يقول بعده:"ثم يعودون"وإن معنى هذا العَود غير الظهار عندكم؟