وقد مر بنا آنفًا نشوزُ الزوجة وكيف عالجه الله تعالى الخبير بخلقه العليم بما يُصلحهم، وفي هذا الفصل يعلّم الله تعالى المرأةَ كيفيةَ التصرف حيالَ إصلاح ذلك النشوز كما علّم الرجلَ فيما سبق (قال العلامة ابن كثير: يقول تعالى مخبِرًا ومشرِّعًا عن الزوجين، تارة في حال نفور الرجل عن المرأة، وتارة في حالة اتفاقه معها، وتارة في حالة فراقه لها، فالحالة الأولى ما إذا خافت المرأة من زوجها أن يَنفِرَ عنها أو يُعرِض عنها فلها أن تُسقِط عنه حقَّها أو بعضَه، من نفقة أو كسوة أو مبيت أو غير ذلك من الحقوق عليه، وله أن يَقبل ذلك منها، فلا جناح عليها في بذلها ذلك له ولا عليه في قبوله منها، ولهذا قال تعالى:"فلا جُناحَ عليهما أن يُصلِحَا بينهما صُلحًا"يُصلِحَا، بضم الياء وسكون الصاد، وهي قراء الكوفيِّين، وأثبتنا ما ثبت في المخطوطَتَين، وهي قراءة باقي القراء السبعة، لأنها هي التي أثبتها ابن كثير في تفسيره، والمراد فيهما واحد ثم قال:"والصلح خير"أي: من الفراق الشح: حرص النفس على ما مَلَكَت وبخلها به، ومنه"المُشَاحّة"وهي: تنازع الخصم على أمر يبادر كلٌّ منهم إليه ويَحرص عليه حَذَرَ فَوتِه. ولكن تفسير ابن كثير لهذه الآية:"وأُحضرَت الأنفُسُ الشُّحَّ"ليس تفسيرًا لمعنى الجملة بل هو نتيجة لسياق الكلام، والمعنى الصحيح هو ما ذكره الطبريّ [9/279] : وأُحضرَت أنفُسُ النساءِ الشُّحَّ على أنصبائهنَّ من أنفس أزواجهنَّ وأموالهم. ثم قال [9/ 282] : والشح الإفراط في الحرص على الشيء، وهو في هذا الموضع إفراط حرص المرأة على نصيبها من أيامها من زوجها ونفقتها ولهذا لما كَبِرَت سَودة بنت زَمعة عزَم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على فراقها، فصالحته على أن يُمسكها وتتركَ يومها لعائشة، فقَبِلَ ذلك منها وأبقاها على ذلك، فقد روى الطيالسيّ عن ابن عباس قال: خَشيَت سَودة أن يطلقها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالت: يا رسول