وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: (ما كان على النبيّ من حَرَج فيما فرَض اللهُ له سُنّةَ اللهِ في الذين خَلَوا من قبلُ وكان أمرُ اللهِ قدرًا مقدورًا) (الأحزاب: 38) ما دام الله هو الذي فرَضها فمن أين يأتي الحرج؟ ما دام الله فرَض فلا حَرَجَ، فالله فرَض فرضًا ونفّذه رسوله لأنه مأمور بتنفيذ أوامر الله، فلا شيء عليه.
وهذه مثل مسألة الإسراء تمامًا حينما قالوا: أتدَّعي يا محمد أنك أتيت بيت المقدس في ليلة ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهرًا؟
وهذا غباء منهم، لكنه نفَعَنا نحن الآن؛ لأن قولهم هذا أفادنا نحن الآن، إذا ناقشنا الكلام نجد أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يقل: إني سَرَيت إلى بيت المقدس في ليلة. وإنما قال: أُسرِيَ بي.
ومن الذي أسرَى به؟
الله سبحانه وتعالى.
إذًا المسألة محسومة لأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليس له دخل بالموضوع وفِعْلَه لا علاقة له بالقضية؛ لأن الفاعل هو الله، فما دام الله تعالى هو الذي أسرَى فما ذنب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ذلك؟
ومع ذلك فهذه القضية نفَعَتنا الآن ليُعلَمَ أن الغباء يؤدي بصاحبه إلى عكس ما قصده من غبائه، فهم حين قالوا: أتدَّعي أنك أتيتَ بيت المقدس في ليلة ونحن نضرب إليها أكباد الإبل في شهر؟ بالله عليكم لو أن الرسول كان قد قال لهم إنه رأى بيت المقدس في المنام هل كانوا سيكذّبونه أو يردّون عليه هذا الرد!
إذًا هم فَهِموا وعرفوا أنه ذهب إلى بيت المقدس بشحمه ولحمه، بجسده وروحه، بدليل أنهم قارَنوا بين سفره وسفرهم الذي يظل شهرًا وهو لم يستغرق ليلة واحدة، فهذه نفَعَتنا في الرد على الذين يقولون إن الإسراء كان بالرؤيا أو بالروح دون الجسد!