لأن الله تعالى أباح لكل واحد من أمته أن يتزوَّج أربعًا، وإذا مِتْنَ يأتي بغيرهنَّ، وإذا طلَّق إحداهنَّ تزوَّج غيرها، فيدور معه العدد إلى ما لا نهاية، ولكن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال له ربه: (لا يَحِلّ لك النساءُ من بعدُ ولا أن تَبدَّلَ بهنَّ من أزواج ولو أعجَبَك حُسنُهنَّ إلا ما ملَكَت يمينُك وكان اللهُ على كلِّ شيءٍ رقيبًا) (الأحزاب: 52) إذًا الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ضُيِّق عليه في هذا الأمر.
فيا قوم تنبَّهوا إلى الفرق في الاستثناء في العدد والمعدود، فهناك استثناء في العدد واستثناء في المعدود، فهل استثنَى اللهُ تعالى نبيَّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أربع إلى تسع في العدد؟ لا، فقد استثناه في المعدود لا في العدد؛ لأنه لو كان استثناه في العدد لكان إذا طلَّق واحدةً جاء بأخرى مكانها ولو ماتت إحدى زوجاته تزوَّج غيرها، ولكنه ممنوع من الزواج بعد ذلك مطلقًا. إذًا الحق سبحانه استثناه في هذا المعدود بذاته بحيث لو ماتوا جميعًا ما صح لمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يتزوج.
هنا الآية تبيّن الحكمة من كل هذه القصة في قول الله تعالى: (لكي لا يكونَ على المؤمنين حَرَجٌ في أزواج أدعيائهم إذا قَضَوا منهنَّ وَطَرًا وكان أمرُ الله مفعولًا) (الأحزاب: 37) فكان لابد من حدوث هذا الأمر حتى يُنهيَ اللهُ التبنيَ وما يترتب عليه من أحكام وعادات الجاهلية.
ثم نقول: هَبْ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان له اختيارٌ في هذه العملية ولم تكن مسبقةً أو أراد الله بها شيئًا وقد حدث فرضًا، فهل نزع الله منه الرسالة أم جعله رسولًا كما هو؟
ظل رسولًا لله يتنزّل عليه وحيُه، إذًا فلا شيء فيها.
وهذا مثل الذين يقولون عن سيدنا يوسف عليه السلام: كيف همَّت به وهمَّ بها وهو نبيّ وابن نبيّ؟
كأنهم يغارون أكثر من الله، مع أنهم لو عرفوا ملابسات الموقف لما قالوا هذا لأن هذا فضول لا أصل له!