وقد اتفق الفقهاء فيما لو طلب ظالم وديعة مثلًا عند إنسان ليأخذها غصبًا وجب عليه أن يكذب وإن لم يعرض بذلك ليسلمها بل يحلف على ذلك، لكن لما كان ما صدر من الخليل عليه السلام ظاهره خلاف باطنه خاف أن يأخذ بذلك مع أن اللائق بمقامه أن يصر به بالأمر كيف كان ولكنه رخص له تعالى فقبل الرخصة ولذلك يقول: عند سؤالهم منه الشفاعة إنما كنت خليلًا من وراء وراء، وأما نبينا فيقول أنا لها أنا لها لأنه قد صرح له بذلك لأنه الخاص به المقام المحمود ولأنه الخليل كامل الخلة.
وحديث الباب ثابت صحيح نقله الأئمة الأعلام فيجب تأويله بأنه من المعاريض كما مر ويأتي وبذلك يعلم ما في قول الفخر الرازي: لا ينبغي أن ينتقل هذا الحديث، لأن فيه نسبة الكذب إلى إبراهيم وقول بعضهم له: كيف نكذب الراوي العدل وجواب الإمام له، بأنه لما وقع التعارض بين نسبة الكذب إلى الراوي وبين نسبته إلى الخليل كان من المعلوم أن نسبته إلى الراوي أولى. انتهى.
وقد أورد علي الحصر في الثلاث ما رواه مسلم عن أبي هريرة في حديث الشفاعة الطويل فإن فيه زيادة قوله: في الكوكب هذا ربي وهو رابع وأجاب عنه في (( الفتح ) )بقوله: قلت الذي يظهر إنما وهم من بعض الرواة فإنه ذكر قوله: في الكوكب بدل قوله: في سارة
قال: والذي أنفقته عليه الطرق ذكر سارة وأما أمر الكوكب فقاله: في حال طفوليته فلم يعده من الكذب، لأن الطفولية ليست بحال تكليف قال: وهذه الطريقة ابن إسحاق.
وقال الأكثرون: إنما قال ذلك بعد البلوغ على طريق الاستفهام الذي يقصد به التوبيخ وقيل: قاله علي: طريق الاحتجاج على قومه تنبيهًا على أن الذي يتغير لا يصلح للربوبية فهو للتوبيخ لقومه والتهكم به
وقال: هذا هو المعتمد ولهذا لم يعده في الكذبات. انتهى فتأمله.