وقال فيه أيضًا: قوله: (فأمرنا بالسكوت) : أي: عن الكلام المتقدم ذكره، لا مطلقًا؛ فإن الصلاة ليست فيها حالة سكوت حقيقة، ويترجح ذلك - كما قال ابن دقيق العيد - بما دل عليه (حتى) : التي للغاية، وبالفاء التي تشعر بتقليل ما سبق عليها لما يأتي بعدها.
قال الكرماني: وأمرنا: بلفظ المعروف والمجهول و (بالسكوت) : أي: عن جميع أنواع كلام الآدميين، ووجه تفريع الأمر بالسكوت على نزول الآية: أي: ( {قانتين} ) بمعنى: ساكتين، وقال عكرمة: كانوا يتكلمون في الصلاة فنهوا عنه بها، وأجمعوا على أن الكلام فيها عامدا عالمًا بتحريمه لغير مصلحتها أو إنقاذ هالكٍ وشبْهه يبطل الصلاة، وأما الكلام لمصلحتها فقال بعض المالكية: لا يبطل، وقال أبو حنيفة: كلام الناسي أيضًا مبطل، وكذا عندنا إلا في قليل سبق إليه لسانه أو سها أو جهل الحرمة قريب الإسلام، وأما قصة ذي اليدين: فمر تحقيقها في باب التوجه نحو القبلة. انتهى ملخصًا.
وقال أكثر المفسرين معنى: ( {قانتين} ) : خاشعين ذليلين بين يديه.
وقال ابن بطال: فإن قالوا: حديث زيد بن أرقم ناسخ لحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين؛ لأن زيدًا من الأنصار لم يصحب النبي إلا بالمدينة وسورة البقرة التي فيها قوله تعالى: {حافظوا على الصلوات} [البقرة:238] الآية مدنية، وأبو هريرة أسلم عام خيبر، وصحب النبي خمسة أعوام، ولا تاريخ عندنا لأي حديث منهما قبل الآخر وان كان زيد أقدم إسلامًا، وحينئذ فلا نقضي بالنسخ لواحد منهما، ويحتمل أن قول زيد: (فأمرنا بالسكوت) : يعني: إلا ما كان من مصلحة الصلاة فبان من الحديثين النوع المنهي عنه في الصلاة، وهو ما ليس من أمرها، وثبت بحديث ذي اليدين جواز الكلام لمصلحتها، وهذا التأويل أولى لئلا تتعارض الأحاديث. انتهى ملخصًا.