وهذا على أصلِهم من منع القياسِ في الكفاراتِ، وهو قول الباجِيِّ وابنِ القَصّار من المالكيَّة.
وظاهرُ الخطابِ أن وجوبَ الكَفَّارةِ والديةِ متعلِّقٌ بالقاتل، والمعنى: فعليه تحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ، وديةٌ مسلَّمَةٌ إلى أهله.
ويحتمل أن يكونَ التقديرُ: فالواجبُ تحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ، وديةٌ مسلمةٌ إلى أهله.
* وقد أجمع المسلمون على تَعَلُّقِ الكفارةِ بالقاتلِ وُجوباً وفِعلاً، وأما الدِّيَةُ، فقضى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بوجوبها على العاقِلَةِ، وكذا فعلَ عمرُ
وعليٌّ، ولم يخالفْهُما أحدٌ من الصحابة، فهو إجماع.
ودليلُهُ مخصِّصٌ لعموِم قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء: 15] .
ولا التفاتَ إلى خلاف الأصَمِّ وابنِ عُلَيَّةَ والخوارِج في منعِ تَحَمُّلِ العاقِلَةِ، وتمسَّكوا بالآيةِ، وبالقياسِ، ولا دليلَ لهمْ معَ قِيام النصِّ والإجماع.
والحكمةُ في ذلك أن ديةَ المُسلم كثيرةٌ لا يطيقُها القاتلُ وحدَه إلا نادراً، ولا يمكنُ إهدارُ دمِ المقتولِ عندَ فقرِ القاتل، فكانتْ على عاقلته؛ حفظاً للدماء.
* واختلف قولُ الشافعي في العاقِلة، هل تحملُ الديةَ ابتداءً، أو تجبُ على القاتل، ثم تحملُها العاقِلةُ، بحسبِ تقديرِ الإضْمارِ.
فمن أضمرَ: (فعليهِ تحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ وديةٌ مسلمةٌ إلى أهله) ، جعلهم مُتَحَمِّلين، ومن أوجبَ عليهم ابتداءً تمسَّك بظاهرِ الحديثِ، وأضمر: (فالواجبُ تحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ وديةٌ مسلمة إلى أهله) .
* وأمر اللهُ سبحانه بتأدية الدية إلى أهله.
فيجوزُ أن يريدَ بأهله أولياءه.
ويجوز أن يريد به ورثَتَهُ.
فبيَّنَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن المرادَ بأهل المقتول ورثتُه.
روي أن عمرَ - رضي الله تعالى عنه - لم يُوَرِّثِ المرأةَ من ديةِ زوجِها، فقال له الضَّحّاكُ بنُ قيسٍ: كتبَ إليَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أَنْ وَرِّثِ امرأةَ أَشْيَمَ الضّبابِيَّ من دية زوجِها، فرجعَ عمرُ رضي الله تعالى عنه.
* وعلق اللهُ سبحانه هذهِ الأحكامَ بقتلِ المؤمنِ، وأطلقه، فوقعَ على الذكرِ والأنثى، والصغيرِ والكبير، والحرِّ والعبد.
والحكمُ كذلكَ بإجماعِ المسلمين، إلا في العبدِ.
فقال طائفةٌ من أهل الكوفة: تجبُ فيه الديةُ؛ لظاهر الآية، ولا يبلغ
بها ديةَ الحرِّ، بل ينقص منها شيء؛ اعتباراً بنقصانِه عن درجةِ الحُرِّ في الحَدِّ وغيره.