81 - (23) قوله جَلَّ ثَناؤه: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34] .
[قوامون] ؛ أي: مسلَّطونَ على تأديبهنَّ.
والقَوَّام والقَيِّم بمعنى واحد، وهو القائمُ بالمصالحِ والتدبيرِ والتأديبِ.
والآية نزلت في سعدِ بن الربيع وامرأتهِ، وذلك أنها نَشَزَتْ عليه، فلَطَمَها، فانطلقَ أبوها معها إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فقال: أفرشته كريمتي فلطمَها، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"لتَقْتَصَّ منْ زَوْجِها"، فذهبت مع أبيها لتقتصَّ منه، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"ارْجِعُوا، هذا جِبْريلُ أَتانِي"، فأنزل الله هذه الآية، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"أَردَنْا أَمْرًا، وأرادَ اللهُ أَمْرًا، والذي أرادَ اللهُ خَيْرٌ".
* ثم أمر الله سبحانه الرجالَ بوعظِ الأزواج عند خوفِ نُشوزِهِنَّ، وذلك يكون بظُهور أَماراتِ النُّشوز، إما بالخُشونة وسوءِ الخُلُق، وإما بإخلافِ عادتِها في حسنِ طاعتِها ولينِ عِشْرَتها.
وأمرهم بهجرهنَّ وضربهنَّ، وذلك يكون عندَ ظهورِ النشوزِ وتحقُّقِه والإصرارِ عليه، لا عندَ خوفِه؛ فإنَّ ظهورَ أَماراته لا يُبيحُ الضربَ؛ لاحتمال خُلْفِ الأَماراتِ والخطأ فيها، فقد يكونُ ذلك منها لِغَمٍّ وضيق صدرٍ.
ونُقل عن بعضهم جوازُ الجمع بين الوعظِ والهجرانِ والضربِ؛ لأن الواو تقتضي الجمعَ، لا الترتيب، وحمل خَوْف النشوزِ على ظهورهِ والعلمِ به تَجَوُّزاً؛ كما في قوله تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 182] .
والأول أصحُّ من ثلاثةِ أوجه:
أحدها: استعمالُ الخوفِ في حقيقتِه دونَ مَجازه؛ فإن الخوفَ لا يقع حقيقةً إلا على الخشيةِ للشيء دون الوقوعِ فيه، وأما التجوزُ بالواو إلى الترتيب؛ فإنه أكثرُ استعمالاً من هذا، فمجازه أرجحُ.