"وبين النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - صفةَ النكاح، وشرائطَه، والحالةَ التي يحلُّ فيها أو يَحْرُم."
* فإن قال قائل: فتقييدُ الابتغاء بالأموال يقتضي أنه لا يجوزُ بغيرِ أموالٍ.
قلنا: قد اختلف أهلُ العلم في مسائلَ:
* فاختلفوا في جواز النكاح على المنفعة.
فجوزه الشافعيُّ وبعضُ أصحاب مالكٍ؛ قياسًا على الإجارة.
ومنعه أبو حنيفةَ إلا في حقِّ العبدِ، لما في الإجارةِ من مخالفةِ القياس، فلا يقاسُ عليها.
ويروى عن مالكِ المنعُ مُطْلقًا، والمشهورُ عنه الكراهةُ، وعنده فرقٌ بين المَمْنوع والمكروه، فالممنوعُ ما يُفْسَخُ به النكاحُ بعد الدخول، والمكروهُ ما يُفسخ به قبلَ الدخول، ولا يُفسخ به بعده.
والخلافُ في هذه المسألةِ يرجعُ إلى أصل آخرَ، وهو هل شرع مَنْ قبلَنا شرعٌ لنا أو لا؛ فمن قالَ: شرعٌ لنا، جَوَّزَ النكاحَ على المنفعة؛ لفعلِ النبيِّ شعيبٍ ذلك مع النبيِّ موسى - صلوات الله وسلامهُ عليهما - .
ومن لم يقلْ بشرعيته، منعَ هذا النكاحَ، لمخالفته القياسَ ونظمَ الآية.
والصحيحُ الجوازُ لقوله:"زَوَّجْتُكَها بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ"وهذا إجازة.
الثانية: اختلفوا في النكاح على تعليم القرآن.
فجوزه جمهورُ الفقهاء، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"زَوَّجْتُكَها بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ".
ومنعه قومٌ، وتأولوه على معنى السببية، أي: لسبب ما معك من القرآن.
وهذا بعيدٌ جدًا؛ لخروجه عن قصدِ الخطاب، ولخُلُوِّ النكاحِ عن الصَّداق.
الثالثة: خَرَّجَ الشيخانِ عن أنسٍ - رضي الله تعالى عنه -: أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أعتقَ صَفِيَّةَ، وجعل عتقَها صَداقَها.
-فذهب الثوريُّ، والزهريُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وداودُ إلى أنه يجوز أن يعتقَها على أن تتزوج به، ويكون عتقُها صداقَها، ويلزمها ذلك، ويصحُّ الصداقُ عملًا بظاهر الحديث.
-ومنعه مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ؛ لمخالفتِه الأصولَ؛ لأن العتقَ إزالةُ ملكٍ، والإزالةُ لا تتضمنُ إباحةَ الشيء بوجه آخر، ولأنها إذا عتقت، ملكتْ نفسَها، فكيف يكون يلزمها النكاحُ؟