قضى العقل بكونه قبيحًا فليس ذلك بموجود، وبعض الناس
تصور أشياء ينفر الطبع منها لعادات جارية، أو اعتقادات فاسدة.
ولم يفرِّقوا بينه وبين حكم العقل، فظنوا أن العقل حكم بضد
الشرع، كذبح البهائم.
«إن قيل» : ما وجه تعلُق هذه الآية بما تقدّم؟
قيل: لمّا ذكر فيما تقدّم أحوال الذين يتحاكمون إلى الطاغوت، ويتركون كتاب الله ورسوله، ويقاتلون في سبيل الطاغوت، وذكر الذين يخشون الناس ومقالهم فيما نالهم من حسنة أو سيئة.
ومخالفتهم في الطاعة، وكان كل ذلك منهم - لقلة تأمّلهم كتاب الله، وتقديرهم أن ما أمروا به في ثاني الحال من القتال مناقض لما أمر به قبل، من كفّ اليد وغير ذلك، بما يختلف لاختلاف الأحوال، نبههم تعالى في هذه الآية أن كل ذلك لقلة تدبرهم، وأنهم لو تدبّروا لعلموا أن ذلك حق نزل عليهم من الله، كما قال: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) .
«إن قيل» : كيف قال: (لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ) وقد بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - ليكلّف الناس؟
قيل: لم يعنِ التكليف الاستدعاء الذي رشح له، ألا ترى أنه قال (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) الآية تقتضي أن على الإنسان أن لا يني في نصرة الحق وإن تفرد، يعد أن لا يني في فعله.
وروي أن أبا بكر رضي الله عنه قال:"لو خالفتني يميني جاهدتها بشمالي"وتلا هذه الآية.
وقال بعض الحكماء: من طلب رفيقًا في سلوك طريق الحق فلقِلة يقينه، وسوء معرفته.
فالمحقق للسعادة والعارف بالطريق إليها لا يفرح على رفيق ولا يبالي بطولِ طريق، فمن خطب الحسناء لم يغلها مهر.
والفاء في قوله: (فَقَاتِلْ) قال الزجاج: هو جواب لقوله:(وَمَن
يُقتل)، ووجه ذلك أنه محمول على المعنى كأنه قال: إن
أردت الفوز بذلك فقاتل، وقال بعضهم: هو متصل بقوله:
(وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) .