قوله تعالى: (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا(85)
«فإن قيل» : فلم فرق بينهما فقال في الحسنة: (نَصِيبٌ) ، وفي السيئة (كِفلٌ) ؟
قيل: يجوز أنه لما كان النصيب يقال فيما
يقل ويكثر، والكفل لا يقال إلا في المثل جاء في السيئة بلفظ الكفل تنبيهًا على معنى المماثلة، وإشارة إلى ما قال: (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا) .
وقد قيل: الكفل المذكور هاهنا أكثر ما يقال في الشيء الرديء، فنبّه بلفظه على ذلك تنبيهًا على قوله: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) .
«فإن قيل» : فقد قال (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) وليس ذلك بمذموم؟
قيل: إنه عنى بالكفلين هاهنا أي له كفيلان من رحمته يتكفلان به من العذاب، فيضَارع اللفظان، والمعنيان مختلفان.
{وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86) }
«إن قيل» : علي أي وجه جعل قولهم: السلام تحية الملتقين؟
قيل: السلام والسِّلم واحد، بدلالة قوله: (فَقَالُوْا سَلَامًا قَالَ سِلْم) (1)
ولما كان الملتقيان من الأجانب قد حذر أحدهما الآخر استعملوا هذه
اللفظة تنبيهًا من المخاطب، أي بذلت لك ذلك وطلبته منك.
ونبه المجيب إذا قال: وعليك السلام. على نحو ذلك، ثم صار
ذلك مستعملًا في الأجانب والأقارب والأعادي والأحباب، تنبيهًا
أني أسأل الله ذلك لك، وأكثر المفسرين حملوا الآية على التحية
المجردة، فقالوا معناه: من حيّاكم بتحية(فحيوا بأحسن منها أو
ردّوها)أي قابلوه بمثلها، قالوا: ورد ذلك أنه متى قال قائل:
السلام عليكم، فإنه يقول: وعليكم السلام، أو يقول:
وعليكم، فهذا هو ردُّه، ويدلّ أنه إذا قال: وعليكم. فقد ورد أن
رجلًا دخل على عمر فقال: السلام عليكم ورحمة الله