قوله عز وجل: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} ابتداء وخبر، وإنما أُنث الخبر لإضافة كل إلى النفس، كما أُنث الفعل في قوله: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ} لذلك.
والجمهور على حذف التنوين من {ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} استخفافًا، وقرئ: (ذائقةٌ الموتَ) بالتنوين والنصب على الأصل؛ لأنه لِما يُستقبل.
وقرئ: أيضًا: (ذائقةُ الموتَ) بطرح التنوين مع النصب، كما قال:
139 -... ولا ذاكرِ اللهَ إلَّا قليلا
والذوق: إدراك طعم المطعوم، هذا أصله، ثم يستعمل على التشبيه لإِدراك الحالات، فاعرفه.
وقوله: {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ} (ما) كفت إن عن العمل وهيأتها ليليها ما لم يكن يليها وهو الفعل، ولو كانت موصولة لكانت الأجور مرفوعة بخبر إن مع كونك تفرق بين الصلة والموصول بالخبر، وذلك أن يوم القيامة ظرف لـ {تُوَفَّوْنَ} ، وإذا رفعتَ الأجور بخبر إن كنت مفرقًا بينهما به، وذلك لا يجوز.
وقوله {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ} (من) شرطية في موضع رفع بالابتداء. والزحزحة: التنحية. والإبعاد: تكرير الزَّحِّ، يقال: زَحَّهُ يَزُحُّهُ زحًّا، وزَحْزَحه يزحزحه زحزحةً، إذا نَحَّاه عن موطنه وباعده عنه.
قال ذو الرمة:
140 -يا قابضَ الرُّوحِ عن جِسْمٍ عَصَى زَمَنًا ... وغافرَ الذنبِ زَحْزِحْنِي عن النارِ
{فَقَدْ فَازَ} : الفاء وما بعدها جواب الشرط. ومعنى {فَازَ} : ظفر بالنعيم الدائم، وأصل الفوز: النجاة.
{لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) } :
قوله عز وجل: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ} وزنه لَتُفْعَوُنَّ، ولامه محذوفةٌ لالتقاء الساكنين هي وواو الجمع، وحُرِّكت الواو لالتقاء الساكنين هي والنون. وخُصّت بالضم لتكون حركتها منها، وما هو منها أولى بها، وقد مضى الكلام على نحو هذا في"البقرة"عند قوله تعالى: {اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ} بأشبع ما يكون، فأغنى ذلك عن الإعادة هنا.