(بِمَا وَضَعَتْ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ التَّاءِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِهَا، بَلْ مُعْتَرِضٌ ; وَجَازَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ الرَّبِّ تَعَالَى وَيُقْرَأُ بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَضَمِّ التَّاءِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ كَلَامِهَا وَالْأُولَى أَقْوَى ; لِأَنَّ الْوَجْهَ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُقَالَ: وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ.
وَوَجْهُ جَوَازِهِ أَنَّهَا وَضَعَتِ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ تَفْخِيمًا.
وَيُقْرَأُ بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ التَّاءِ، كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ لَهَا ذَلِكَ.
(سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ) : هَذَا الْفِعْلُ مِمَّا يَتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي تَارَةً بِنَفْسِهِ، وَتَارَةً بِحَرْفِ الْجَرِّ، تَقُولُ الْعَرَبُ: سَمَّيْتُكَ زَيْدًا، وَبِزَيْدٍ.
قَالَ تَعَالَى: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(37 ) ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا) : هُوَ هُنَا مَصْدَرٌ عَلَى غَيْرِ لَفْظِ الْفِعْلِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ نَائِبٌ عَنْ إِثْبَاتٍ.
وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: فَنَبَتَتْ نَبَاتًا، وَالنَّبْتُ وَالنَّبَاتَ بِمَعْنًى ; وَقَدْ يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنِ النَّابِتِ.
وَتَقَبَّلَهَا: أَيْ قَبِلَهَا،
وَيُقْرَأُ عَلَى لَفْظِ الدُّعَاءِ فِي تَقَبَّلَهَا وَأَنْبَتَهَا وَكَفَّلَهَا، وَرَبَّهَا بِالنَّصْبِ ; أَيْ يَا رَبَّهَا وَ «زَكَرِيَّا» الْمَفْعُولُ الثَّانِي.
وَيُقْرَأُ فِي الْمَشْهُورِ كَفَّلَهَا بِفَتْحِ الْفَاءِ. وَقُرِئَ أَيْضًا بِكَسْرِهَا، وَهِيَ لُغَةٌ يُقَالُ كَفِلَ يَكْفَلُ مِثْلُ عَلِمَ يَعْلَمُ.
وَيُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ، وَالْفَاعِلُ اللَّهُ، وَزَكَرِيَّا الْمَفْعُولُ.
وَهَمْزَةُ زَكَرِيَّا لِلتَّأْنِيثِ، إِذْ لَيْسَتْ مُنْقَلِبَةً وَلَا زَائِدَةَ لِلتَّكْثِيرِ وَلَا لِلْإِلْحَاقِ.