وَفِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ: هَذِهِ إِحْدَاهَا. وَالثَّانِيَةُ: الْقَصْرُ. وَالثَّالِثَةُ: زَكَرِيُّ بِيَاءٍ مُشَدَّدَةٍ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ. وَالرَّابِعَةُ: زَكَرُ بِغَيْرِ يَاءٍ). (كُلَّمَا) : قَدْ ذَكَرْنَا إِعْرَابَهُ أَوَّلَ الْبَقَرَةِ.
وَ (الْمِحْرَابَ) : مَفْعُولُ دَخَلَ، وَحَقُّ «دَخَلَ» أَنْ يَتَعَدَّى بِفِي أَوْ بِإِلَى، لَكِنَّهُ اتُّسِعَ فِيهِ فَأُوصِلَ بِنَفْسِهِ إِلَى الْمَفْعُولِ. وَ (عِنْدَهَا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِوَجَدَ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الرِّزْقِ، وَهُوَ صِفَةٌ لَهُ فِي الْأَصْلِ ; أَيْ رِزْقًا كَائِنًا عِنْدَهَا. وَ (وَجَدَ) الْمُتَعَدِّي إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ جَوَابُ كُلَّمَا.
وَأَمَّا (قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ) : فَهُوَ مُسْتَأْنَفٌ ; فَلِذَلِكَ لَمْ يَعْطِفْهُ بِالْفَاءِ، وَلِذَلِكَ «قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَالَ بَدَلًا مِنْ وَجَدَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَقَالَ، فَحَذَفَ الْفَاءَ كَمَا حُذِفَتْ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) [الْأَنْعَامِ: 121] ; وَكَذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا.
وَهَذَا الْمَوْضِعُ يُشْبِهُ جَوَابَ الشَّرْطِ ; لِأَنَّ «كُلَّمَا» تُشْبِهُ الشَّرْطَ فِي اقْتِضَائِهَا الْجَوَابَ.
(هَذَا) : مُبْتَدَأٌ، وَأَنَّى خَبَرُهُ ; وَالتَّقْدِيرُ: مِنْ أَيْنَ وَ «لَكِ» تَبْيِينٌ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ هَذَا بِلَكِ، وَأَنَّى ظَرْفٌ لِلِاسْتِقْرَارِ.
قَالَ تَعَالَى: (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ(38 ) ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (هُنَالِكَ) : أَكْثَرُ مَا يَقَعُ هُنَا ظَرْفُ مَكَانٍ، وَهُوَ أَصْلُهَا، وَقَدْ وَقَعَتْ هُنَا زَمَانًا، فَهِيَ فِي ذَلِكَ كَعِنْدَ فَإِنَّكَ تَجْعَلُهَا زَمَانًا، وَأَصْلُهَا الْمَكَانُ، كَقَوْلِكَ أَتَيْتُكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.