وهذا القولُ هو الذي ذكرَه عبدُ اللَّهِ ابن الإمامِ أحمدَ لأبيه فِي سؤالِهِ المتقدمِ. وحكى ابنُ حزمٍ هذا القولَ عن عامَّة أصحابِ الحديثِ.
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: كان ابنُ وضَّاحٍ يذهبُ إليه ، ويحتجُّ بحديثِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حين خرجَ إلى المقبرةِ فقال:"السلامُ عليكُم دارَ قومٍ مؤمنينَ"، فهذا يدلُّ على أنَّ الأرواحَ بأفنيةِ القبور.
ورجَّح ابنُ عبدِ البرِّ أنَّ أرواحَ الشهداءِ فِي الجنةِ ، وأرواحَ غيرِهِم على أفنيةِ
القبورِ تسرحُ حيثُ شاءتْ.
وذَكرَ عن مالكٍ أنه قالَ: بلغَنِي أنَّ الأرواحَ مرسلةٌ تذهبُ حيثُ شاءتْ.
وعن مجاهدٍ قالَ: الأرواحُ على القبورِ سبعةُ أيامٍ ، من يومِ دفنِ الميتِ ، لا
تفارقُ ذلكَ.
واستدلَّ هو وغيرُه بحديثِ ابنِ عمرَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -
قالَ:"إذا ماتَ أحدُكُم عُرِضَ عليه مقعدُه بالغداةِ والعشيِّ ، إنْ كانَ من أهل الجنةِ فمنْ أهلِ الجنةِ ، وإنْ كانَ من"
أهلِ النارِ فمِنْ أهلِ النارِ ، يُقالُ له: هذا مقعدُك حتَّى يبعثَكَ اللَهُ يومَ القيامةِ""
وهذا يدلُّ على أنَّ الأرواحَ ليستْ فِي الجنةِ ، وإنّما تعرضُ عليها بكرةً وعشيًّا.
كذلك ذكرَ ابنُ عطيةَ وغيرُه.
وهذا لا حجةَ لهم فيه لوجهين:
أحدهما: أنه يحتملُ أنْ يكون العرضُ بكرةً وعشيًّا على الروح المتصلةِ
بالبدنِ ، والروحُ وحدَها فِي الجنةِ فتكونُ البشارةُ والتخويفُ للجسدِ فِي هذينِ
الوقتينِ باتصالِ الروح به. وأما الروحُ فهيَ أبدًا فِي نعيم أو عذابٍ.
والثاني: أن الذي يُعرضُ بالغداةِ والعشيِّ هو مسكنُ ابنِ آدمَ الذي يستقرُ فيه
في الجنةِ أو النارِ ، وليستِ الأرواحُ مستقرةً فيه فِي مدةِ البرزخ ، وإنْ كانتْ فِي الجنةِ أو النارِ.